معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

من ٢٠٠٦ إلى ٧ أكتوبر: لماذا لا تتحول نكبات الممانعة إلى مراجعة؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

في ذكرى ٧ أكتوبر، لا يكفي أن نعود إلى ما فعلته الحرب بإسرائيل أو بغزة، ثمة سؤال لبناني لا يقل إلحاحاً: كيف تكررت الكوارث، فيما لم تتحول نتائجها بالضرورة إلى محاسبة للقيادة التي اتخذت القرارات؟ وكيف بقيت صورة القائد الذي يقرأ العدو بدقة ويمتلك مفاتيح الردع راسخة رغم كشف الوقائع حدود تقديراته؟

 

“لو كنت أعلم”: اعترافٌ ابتلعته رواية النصر

في حرب تموز ٢٠٠٦، قدّم حسن نصرالله مثالاً على الاعتراف بخطأ التقدير. ففي مقابلة تلفزيونية مع قناة “الجديد” في ٢٧ آب ٢٠٠٦، قال إنه لو كان يعلم أنّ عملية أسر الجنديين الإسرائيليين ستؤدي إلى حرب بهذا الحجم، لما أمر بتنفيذها. لم يكن ذلك تفصيلاً عابراً، بل اعترافاً بأنه أخطأ في تقدير حجم الحرب التي ستعقب العملية. لكن هذا الاعتراف لم يحُل لاحقاً دون احتواء الحرب داخل رواية النصر، بما قلّص مساحة السؤال عن القرار وكلفته.

محطات متباينة… وسؤال واحد

بعدها جاءت أحداث ٧ أيار ٢٠٠٨، والتدخل العسكري في سوريا، ثم تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال نصرالله عام ٢٠٢٤. تختلف هذه المحطات في ظروفها وأهدافها، ولا يصح التعامل معها كأنها تجربة واحدة، لكن السؤال المشترك يبقى: متى تتحول النتائج إلى اختبار للخيارات، لا إلى مناسبة لإعادة إنتاج الرواية نفسها؟

سوريا: قتالٌ لحماية نظامٍ سقط

في سوريا، قاتل حزب الله دفاعاً عن نظام بشار الأسد، وشارك في معارك أبرزها القصير، فيما وثّقت تقارير أممية وحقوقية معاناة المدنيين في مناطق محاصرة، بينها مضايا، حيث واجه السكان الجوع ونقص الرعاية الطبية. لكن الرهان السوري انتهى بسقوط نظام الأسد في ٨ كانون الأول ٢٠٢٤. فماذا كسب لبنان أو الحزب من سنوات القتال لحماية نظام انهار في النهاية؟ فالسؤال لا يتعلق بسقوط النظام وحده، بل بكلفة دفعها اللبنانيون والسوريون لحماية رهان انتهى بالانهيار، لذلك يصبح الرهان ومآلاته سؤالاً لا يجوز إسقاطه.

أجهزة النداء: أين ذهبت “المنظومة المحصّنة”؟

وفي أيلول ٢٠٢٤، كشفت تفجيرات أجهزة النداء والاتصال اختراقاً أمنياً بالغ العمق في منظومة حزب الله. وبحسب حصيلة نقلتها “رويترز”، قُتل ٣٧ شخصاً وأُصيب أكثر من ثلاثة آلاف في موجتي التفجير. لم تكن الضربة خسارة بشرية وأمنية فحسب، بل امتحاناً لصورة منظومة قيل إنها شديدة الانضباط والسرية، وفتحت أسئلة عن سلسلة التوريد والفحص والمسؤولية، من دون أن تُقدَّم للرأي العام إجابات علنية كافية عنها.

“إسناد غزة”: من يدفع فاتورة قرارٍ لم يُستشر فيه؟

ثم جاءت جبهة “إسناد غزة”، التي فتحها الحزب في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، من دون قرار حكومي أو تفويض وطني معلن يجيز إدخال لبنان في مواجهة بهذا الحجم. ومع اتساع الحرب عام ٢٠٢٤، اغتيل نصرالله وعدد من كبار القادة في غارات إسرائيلية، وتعرّضت مناطق واسعة للدمار والتهجير. وقدّر البنك الدولي الكلفة الاقتصادية الإجمالية للحرب على لبنان بنحو ١٤ مليار دولار، منها ٦.٨ مليار أضرار مادية و٧.٢ مليار خسائر اقتصادية، فيما قُدّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو ١١ مليار دولار. هذه الأرقام لا تعفي إسرائيل من مسؤولية هجماتها، لكنها تفرض سؤالاً موازياً على الحزب: ما الأهداف التي تحققت فعلاً؟ وهل كانت النتائج متناسبة مع الكلفة التي دفعها لبنانيون لم يشاركوا في اتخاذ القرار؟

الرعاية: خدماتٌ أم صمّام أمان سياسي؟

ولا يمكن فصل غياب المراجعة عن منظومة الرعاية التي أحاطت بالحزب وبيئته. فقد أدار الحزب شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية، من التعليم والصحة إلى الإغاثة وإعادة الإعمار، فيما ظل التمويل الإيراني عنصراً مهماً في قدرته المالية، وإنّ تفاوتت التقديرات المنشورة لحجمه. هذه المنظومة لم تكن مجرد خدمات، بل جزءاً من علاقة سياسية واجتماعية عززت حضور الحزب وقدرته على الاحتفاظ بولاء جمهوره.
لكن قدرة أي منظومة على التعويض ليست مضمونة إلى الأبد. فحين تتراجع الموارد وتتراكم أضرار الحرب واحتياجات الإعمار، تظهر حدود الوعود، ويصبح الفرق واضحاً بين القدرة على تعبئة الناس تحت شعار التضحية والقدرة على تحمّل نتائجها. والسؤال هنا هو كيف تداخلت الرعاية مع السياسة، وهل خففت الضغط الشعبي المطلوب لمساءلة القيادة؟

حين يصبح المقدّس درعاً للقرار

هنا تتجاوز المسألة الحساب العسكري إلى الطريقة التي يُقدَّم بها القرار ويُمنح بها شرعية أخلاقية. في خطابه بمناسبة يوم القدس العالمي في ٥ نيسان ٢٠٢٤، استحضر نصرالله آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وسائر الأنبياء والأوصياء والأولياء، وسأل عن موقفهم لو كانوا حاضرين وشاهدوا ما يجري في غزة. لا يمكن الجزم بما كانوا سيقولونه، لكن يمكن مساءلة منطق الاستدعاء نفسه: هل يُطبّق المعيار الأخلاقي ذاته على الحليف والخصم، أم يُستدعى المقدّس حين يخدم موقفاً سياسياً ويغيب حين يحرجه؟
عندما يُقدَّم القرار بوصفه امتداداً بديهياً للحقيقة الدينية، يتحول الاعتراض على جدواه إلى شبهة في الإيمان أو الولاء. وهكذا قد يتحول الدين من معيار تُحاسَب به السياسة إلى غطاء يحميها من المحاسبة. وتُفسَّر الخسائر عندها باختلال موازين القوى أو بالمؤامرات أو بضرورة التضحية، بينما يتراجع السؤال الأهم: هل كان القرار صائباً أصلاً، وهل كان يمكن تفادي بعض نتائجه؟

“الصمود” بديلاً من الحساب

وهذا النمط لا يقتصر على لبنان. ففي تجارب مختلفة داخل المحور الإيراني، كثيراً ما تحولت مفردات “الصمود” و”المقاومة” إلى أدوات لتفسير الخسائر وتبرير استمرار النهج، بدلاً من إخضاع الخيارات لمراجعة جدية. تختلف الظروف والنتائج، لكن السؤال يتكرر: متى تصبح الشعارات بديلاً من تقييم ما تحقق، وما خُسر، ومن يتحمل المسؤولية؟

الجمهور: شريكٌ في التقييم أم حارسٌ للرواية؟

يمكن للمرء أن يعارض إسرائيل، أو يؤيد حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم، من دون أن يمنح أي قيادة حصانة دائمة من المساءلة. المشكلة تبدأ حين يتحول الانتماء إلى اختبار ولاء، ويُعامل نقد القرار كأنه طعن في القضية نفسها. عندها لا يعود الجمهور شريكاً في تقييم الخيارات، بل يصبح مطالباً بالدفاع عنها مهما كانت نتائجها.

نكبةٌ لا تنتهي بانتهاء الحرب

من ٢٠٠٦ إلى ٧ أكتوبر، ليست المفارقة في تكرار النكبات وحدها، بل في أن التجارب لم تُنتج بالضرورة تغييراً في النهج. كم دليلاً يحتاج الجمهور ليُراجع صورة القائد الذي لا يُخطئ؟ لا يُقاس النضج السياسي بالقدرة على تبرير كل ما حدث، بل بالاستعداد لمساءلة من اتخذ القرار، حتى حين يكون موضع ثقة أو تقديس. فالنكبة لا تنتهي بانتهاء الحرب، قد تبدأ من جديد حين يُمنع الدرس من الوصول إلى الوعي.