معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

الحزب يطالب بمتفجـراته: هل تعيدها الدولة أم تكشف غايتها؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

أقرّ الحزب بأنّ شحنة المتفجرات له، فأقفل باب السؤال عن صاحبها، وفتح باباً أخطر منه: مَن أمر بنقل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات نحو بيروت، ولأي غاية؟

 

حُسمت الملكية… فماذا عن القرار؟

لم تعد هوية صاحب شحنة المتفجرات المضبوطة عند حاجز ضهر البيدر هي السؤال الأساسي. ففي ١٥ تشرين الأول، أعلن النائب حسن فضل الله أن السيارة والمواد الموجودة فيها تعودان إلى “المقاومة”، مؤكّداً أنّ الحزب تواصل مع الجهات المعنية منذ توقيفها وطالب باستعادتها وبالإفراج عن الموقوفين، ووصف المواد بأنها “قدرات لمواجهة الاحتلال”.
بهذا الإقرار، انتقلت القضية من الاشتباه في ارتباط الشحنة بحزب الله إلى مواجهة علنية حول حق الدولة في ضبطها والتحقيق في نقلها. لكن الملكية لا تجيب عن السؤال الأهم: مَن قرر نقل هذه الكمية من المتفجرات من البقاع إلى بيروت، ولماذا، ومَن كان يفترض أن يتسلّمها؟

٧٨٠ كيلوغراماً في الطريق إلى “ذو الفقار”

بحسب وكالة “أسوشيتد برس”، بلغت الحمولة نحو ٧٨٠ كيلوغراماً، بينها ٢٥٠ كيلوغراماً من TNT ومثلها من C4، فيما تحدثت مصادر أخرى عن وزن مختلف. كما اختلفت التقارير بشأن تاريخ ضبط السيارة، ما يستدعي توضيحاً رسمياً. ونقلت الوكالة عن مسؤولين قضائيين أن الموقوفين قالا إنهما كانا مكلفين بإيصال المواد إلى شخص يُعرف باسم “ذو الفقار” قرب بيروت، من دون معرفة الغرض النهائي منها.

إقرار لا يكشف سلسلة القرار

رفع فضل الله سقف المواجهة، معتبراً أنّ شرعية المقاومة لا تستمد من السلطة الحالية، ورافضاً قرار الحكومة الصادر في ٢ آذار بشأن حظر النشاط العسكري والأمني للحزب. كما وصف الربط بين الشحنة واحتمال التحضير لاغتيالات بأنه حملة “فتنوية”. لكن إعلانه ملكية المواد لم يترافق مع كشف المهمة المحددة التي كانت مخصصة لها، أو الجهة التي أصدرت قرار نقلها، أو هوية من كان ينتظر تسلّمها.

من “ساجد” إلى “البريد الميت”: رواية تنتظر التأكيد
وتناقلت وسائل إعلام لبنانية تفاصيل عن مسار الشحنة، بينها أنّ شخصاً يُعرف باسم “ساجد” سلّمها إلى الموقوفين في بعلبك، على أن تصل إلى “ذو الفقار” في الضاحية الجنوبية، وأنّ طريقة التسليم شابهت ما يُعرف بـ”البريد الميت”، أي ترك الحمولة في نقطة محددة من دون لقاء مباشر بين الأطراف. كما وردت تقارير عن محاولة مسؤول في الحزب استعادة السيارة من دون حمولتها. تبقى هذه التفاصيل منسوبة إلى مصادر إعلامية وأمنية، ولا يجوز التعامل معها كوقائع قضائية محسومة قبل تأكيدها رسمياً.
لكن هناك أسألة تجعل التحقيق أكثر ضرورة: ما مصدر المتفجرات؟ مَن أمّنها؟ مَن أصدر أمر نقلها؟ وما الوجهة النهائية والغرض المحدد منها؟

الدولة أمام اختبارها: هل يتوقّف التحقيق عند الناقلين؟

أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أن التحقيق سيكشف المتورطين والجهات التي تقف وراء العملية، مؤكداً أنه “لا تساهل ولا تغاضٍ، بل الحقيقة والمحاسبة”. كما طُرحت إحالة القضية إلى المجلس العدلي، لكن يجب التمييز بين طلب الإحالة وصدور قرار رسمي بها.
العقدة أن الحزب لا يكتفي بإعلان ملكيته للمواد، بل يطالب باستعادتها، في وقت تؤكد فيه الحكومة ضرورة كشف ملابسات نقلها. غير أن الملكية لا تمنح صاحبها حق تقرير مصير المضبوطات خارج الإجراءات القانونية، كما أنّ توقيف الناقلين لا يكفي إذا لم يصل التحقيق إلى سلسلة القرار كاملة.
فالنسأل إذاً عن دور الدولة: هل تكشف الجهة التي أمّنت الشحنة والجهة التي كانت ستتسلمها، أم يتوقف التحقيق عند الأشخاص الذين تولوا نقلها؟ وهل تُطبّق الإجراءات القانونية بصرف النظر عن الجهة التي تعلن ملكيتها للمواد ونفوذها السياسي؟

كاميرات محطّمة وشحنات متفرقة: قرائن لا تُهمل ولا تُضخَّم

أعادت القضية إلى الواجهة تقارير عن تكسير كاميرات مراقبة على طريق زحلة ـ بعلبك وتعطيل كاميرات أخرى بين شتورة وسعدنايل قبل أشهر. كما شهدت الفترة نفسها ضبط شحنات أخرى من المتفجرات في مناطق مختلفة، بينها شحنة في القصر ـ الهرمل.
هذه الوقائع ليست دليلاً على وجود شبكة واحدة، لكنها تستدعي توضيحاً أمنياً: هل جرى التحقيق في تخريب الكاميرات؟ وهل ظهرت صلات بين حوادث نقل المتفجرات، أم أنها ملفات منفصلة؟ المطلوب التحقق من الروابط المحتملة، لا تركيب رواية مسبقة من حوادث متفرقة.

أموال إيرانية وذاكرة مثقلة بالاغتيالات

وفي سياق موازٍ، أفادت “رويترز” بأن حزب الله تلقى نحو ٢٠٠ مليون دولار من إيران خلال أيلول، وفق مصادر مطلعة، لمساعدة عائلات متضررة. لا يوجد دليل منشور يربط هذه الأموال بشحنة ضهر البيدر، ولا يجوز تقديمها كجزء من مخطط أمني. لكنها تذكّر بأنّ قدرة الحزب على الحفاظ على نفوذه لا تقوم على السلاح وحده، بل تشمل شبكة الدعم المرتبطة ببيئته.
أما ذاكرة الاغتيالات السياسية وقضية ميشال سماحة، وكذلك أحداث ٧ أيار ٢٠٠٨ التي شهدت استخدام السلاح في الداخل، فتفسّر حساسية اللبنانيين تجاه المتفجرات والوعود المتكررة بأن السلاح موجّه إلى إسرائيل.

مَن يملك قرار النقل؟

بعد إقرار حزب الله بملكية السيارة والمواد، لم يعد السؤال: لمن تعود الشحنة؟ بل: مَن قرر نقلها، ولأي غرض، ومَن كان يفترض أن يتسلّمها؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يجيب عنها التحقيق، من دون انتقائية أو تسويات تسبق كشف الحقيقة.
القضية هي ببساطة اختبار لقدرة الدولة على كشف سلسلة المسؤولية وتطبيق القانون، حتى عندما تعلن جهة نافذة ملكيتها للمواد وترفض الاعتراف بقرارات حكومية تتعلق بسلاحها.
فالملكية تفسّر لمن تعود المتفجرات، لكنها لا تفسّر سبب نقلها، ولا تعفي الدولة من كشف القرار الذي يقف وراءها، مهما علا نفوذ أصحابه.