مع دخول الحرب ضد إيران شهرها السادس، وغرق الجبهات في مستنقع المراوحة، وتعثر المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، وتحوّل سوريا إلى ساحة تنازع بين الطموح الإسرائيلي والنفوذ التركي، بالتوازي مع توسع استيطاني وضمّ زاحف يحوّل السيطرة الميدانية في الضفة الغربية إلى سيادة قانونية تدريجية، تجري إعادة ترتيب واسعة للمنطقة. وفي موازاة ذلك، بدأت ملامح اصطفافات جديدة بالتشكل؛ فـ”حلف مكة” الدفاعي هو أحدث هذه التحولات، إلى جانب شبكة التقارب الهندية-الإبراهيمية الآخذة في التبلور من الهند إلى الخليج وإسرائيل وشرق المتوسط.
قد يوحي المشهد بأن الشرق الأوسط يتجه نحو نظام إقليمي جديد، إلا أن هذا الاستنتاج متسرّع. صحيح أن توازن القوى والتحالفات هي جزء من أي نظام، لكنها لا تكفي وحدها لصناعته. النظام، دولياً كان أم إقليمياً، يحتاج إلى استقرار وإلى قدر من الشرعية والقبول من أطرافه، وإلى قيود يقبل القوي التحرّك ضمنها قبل أن تُفرض على الضّعيف.
فتوازن القوى هو ببساطة ضبط القوّة بقوّة مضادة، أمّا النظام فهو قدرة القواعد والمؤسسات والترتيبات المتّفق عليها على الحدّ من استخدام القوّة. وقبول الطرف الأقوى بهذه القيود لا ينبع بالضرورة من دوافع أخلاقية، بل من حسابات مصلحية أيضاً: فالهيمنة التي تعتمد على القوة وحدها تستدعي مقاومة مستمرة وكلفة مرتفعة، بينما يستطيع النظام المستقر حماية جزء من مكاسب الأقوياء بكلفة أقلّ ولمدّة أطول. وهذا الثّمن يتمثّل بكلفة عسكرية عالية، وسياسية داخلية، ودبلوماسية (تعبئة دائمة- تآكل الشرعية- عزلة تدريجية) .
بهذا المعنى، يتمثّل عقم الشرق الأوسط بعدم قدرته تاريخياً على الاستفادة من ترتيبات إقليمية وموازين قوى كانت مستقرّة نسبياً، وتحويلها إلى قواعد قادرة على إنتاج نظام من دون العودة المتكرّرة إلى الحرب. لذلك، إنّ ما يجري اليوم لا يعدو كونه ترتيباً لموازين فوضى وليس ولادةً لنظام إقليمي.
تطوير أدوات القوّة
والمفارقة هنا أن دول الإقليم أظهرت خلال العقود والسنوات الماضية قدرة كبيرة على تعلّم دروس الحرب. لكن هذه القدرة، أو الاستعداد لتعلّم قواعد النظام كانت غائبة.
إسرائيل، على سبيل المثال، قامت بتعديل عقيدتها الأمنية بعد أحداث أكتوبر 2023، فتخلّت عن عقيدة الحسم السريع لصالح استراتيجيات جديدة للتكيّف مع حروب الاستنزاف الطويلة. أصبحت، وبشكل غير مسبوق أكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي في إدارة بنك الأهداف والضربات الاستباقية، ظنّاً منها أن التفوّق التكنولوجي يحلّ محلّ الرؤية السياسية الغائبة، و”الجدار الحديدي” (زئيف جابوتنسكي) وحده يجلب الأمن. إلّا أن نجاحها التكتيكي هذا يواجه شكوكاً متزايدة في الداخل، إذ يرى 62٪ من الإسرائيليين أن النصر الكامل الذي وعدهم به نتانياهو لن يتحقّق، واستطلاعات الرأي تُشير إلى تراجع الائتلاف الحاكم.
في الحين، ومع استمرار الاحتلال والتوسّع الاستيطاني والضمّ الزاحف يبقى السؤال النظامي غائباً عن المخيّلة الإسرائيلية: هل تعلّمت كيف تُقلّل حاجتها للقوّة، أم كيف تستخدمها بشكل أفضل؟ فالقوى الداخلية التي تدفع نحو المزيد من الاستيطان والتي تريد حرية عسكرية مُطلقة، ترفض في الأصل أي قيد سياسي يقترحه نظام قائم على قواعد.
وتبقى القضية الفلسطينية، في صميم هذا كلّه، العقبة التأسيسية أمام أي نظام إقليمي مستقر؛ فلا يمكن الحديث عن قواعد يقبلها الجميع طالما بقي أحد أطراف الإقليم بلا أفق سياسي.
وفي المقابل، أتقنت إيران “الدفاع المتقدم”: شبكة من الفاعلين غير الدولتيين، وأسلحة رخيصة الكلفة عالية الأثر كالمسيّرات والحرب السيبرانية، طوّرتها خلال عقود من العقوبات. صحيح أن طهران ليست هي من خلق القضية الفلسطينية، ولا أزمات الدول العربيّة، لكنها برعت في الاستثمار فيها من دون أن تُنتج مشروعاً إقليمياً جامعاً يطمئن جيرانها.
غير أنّ الحرب الدائرة كشفت حدود هذا النموذج نفسه، بعد أن خسرت إيران جزءاً مهماً من عمقها الاستراتيجي في سوريا وتراجع قدرة حزب الله. ولنفترض نظرياً أن طهران قبلَت بقواعد إقليمية واضحة، يبقى السؤال: كيف تُدمَج أدوات غير نظامية بطبيعتها – الأذرع المسلحة – داخل نظام يفترض سيادة ومسؤولية واضحَين؟
أما تركيا فجمعت بين الدبلوماسية البراغماتية والصناعات الدفاعية المتقدمة لتحجز موقعاً يصعب تجاوزه في أعقد ملفات المنطقة، وأصبحت بعد سقوط نظام الأسد الراعي الأمني والاقتصادي الأول لسوريا. هكذا، تحوّلت الساحة السورية إلى نقطة تماس رئيسية بين طموح إسرائيل ونفوذ تركيا: كلا الطرفين يبرر تحركاته بمنطق الأمن القومي، لكن النتيجة أن سوريا الضعيفة تبقى ساحة تنافس بدل أن تصبح وحدة مستقلة داخل نظام إقليمي.
وسلكت دول الخليج مساراً مختلفاً: تنويع الشراكات شرقاً وغرباً، تقليل الاعتماد الحصري على المظلة الأميركية، والتركيز على التنمية الاقتصادية. تشكّلت هذه السياسة عبر عقود كاستجابة لأخطار متلاحقة، من الحروب الإقليمية إلى النفوذ الإيراني إلى تحوّل الأولويات الأميركية. لكنها تبقى إدارة مخاطر لا بناء نظام، ولم تتحول بعد إلى رؤية جماعية موحدة حتى بين أعضائها: فقد برز في السنوات الأخيرة تباعد استراتيجي متزايد بين السعودية والإمارات في ملفي النفط والسودان.
الجميع إذاً يتعلم، لكن هذا التعلّم لم يجعل الشرق الأوسط أكثر قدرة على تجنب الحرب التالية.
من تعلّم الحرب إلى تعلّم النظام
الفرق هنا كبير بين التعلّم التكتيكي وهو أن تتعلم الدولة كيف تخوض الحرب المقبلة بصورة أفضل عبر تحسين القدرات، تطوير التكنولوجيا العسكرية، توسيع هامش الردع، تنويع التحالفات؛ وبين التعلّم النظامي، أي أن تتعلم كيف تجعل الحرب أقل ضرورة من خلال مراجعة الأسباب التي تعيد إنتاج الأزمات، والقبول بقيود متبادلة، وإرساء ترتيبات تقلل احتمال العودة إلى الصراع نفسه.
الشرق الأوسط غنيّ بالنوع الأول وفقير بالثاني، لأن بنية الحوافز في الإقليم تكافئ التكتيك أسرع مما تكافئ النظام. فالأنظمة تستطيع استعراض التكتيك أمام جمهورها، في حين أن بناء نظام إقليمي يحتاج إلى تنازلات فورية مقابل مكاسب مؤجّلة.
وهنا، تظهر ثلاث مشاكل:
الأولى، أن الاستقرار الإقليمي يشبه “السلعة العامة”: يستفيد منه الجميع، حتى الذين لم يتحملوا كلفة بنائه. ولذلك يميل كلّ لاعب إلى انتظار الآخرين كي يدفعوا الثمن، مع الاحتفاظ لنفسه بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة.
ونظرياً، هذا الدور يُفترض أن يلعبه راعٍ خارجي قادر على تحمّل كلفته – وهو ما حاولت واشنطن لعقود أن تؤديه في الشرق الأوسط. لكن الولايات المتحدة خضعت لحسابات متعددة ومتنافسة: تحالفاتها، خصومها المشتركون، سياستها الداخلية، فانحازت لإسرائيل، بدل أن تكون منصفة. ولأن هذه الرعاية لم تكن عادلة، تصاعدت عدم الثقة بها حتى بين الحلفاء التقليديين، الذين نوّعوا شراكاتهم بدل الاكتفاء بالمظلة الأميركية وحدها. و”حلف مكة” نفسه اعتُبر على نطاق واسع “إشارة إلى واشنطن”.
والمشكلة الثانية هي “معضلة الأمن” المعروفة في أدبيات العلاقات الدولية: تعزيز طرف لأمنه يتحوّل إلى تهديد بالنسبة للآخر. فإسرائيل ستوسّع حرية حركتها العسكرية ما دامت تراها أماناً، وإيران ستتمسك بأذرعها المسلحة ما دامت تراها ردعاً، وتركيا ستحمي حضورها الإقليمي، ودول الخليج ستبحث عن مزيد من التحالفات. كلّ خيار يبدو منطقياً من وجهة نظر صاحبه وحده، لكن مجموع هذه الخيارات يُنتج إقليماً أقلّ أمناً للجميع.
أما المشكلة الثالثة، وهي الأكثر تعقيداً، فهي مشكلة الالتزام: بحال وافقت القوى الإقليمية اليوم على قواعد مشتركة، ما الذي يضمن في المستقبل عدم تراجع طرف إذا مال ميزان القوى لمصلحته؟ فلذلك لا يكفي الاتفاق على القواعد؛ المطلوب بناء ترتيبات تجعل الالتزام بها أكثر منفعة من خرقها حتى عندما تتغير موازين القوى. وهذا بالضبط ما عجزت عنه أوروبا بين الحربين؛ أرست الحرب العالمية الأولى، عبر معاهدة فرساي توازن قوى ظل ترتيباً مفروضاً على الطرف الأضعف لا نظاماً تقبله الأطراف كافة، فانهار لحظة تبدّل موازين القوى لصالح ألمانيا، لتندلع الحرب العالمية الثانية بعد عشرين عاماً فقط.
وهنا تظهر إشكالية الحوافز: فالحوافز الحالية في الشرق الأوسط تدفع كل دولة إلى تحسين موقعها داخل اللعبة، لا إلى تغيير قواعد اللعبة. طالما بقي الأمر كذلك، ستظهر تحالفات جديدة وتتراجع أخرى، وستتغير تقنيات الحرب وأدوات الردع، لكن ذلك لن يعني بالضرورة أن المنطقة أصبحت أكثر انتظاماً. فـ”حلف مكة”، والتقارب الهندي-الإبراهيمي، وأي اصطفاف آخر قد يأتي بعدهما، يمكن أن يغيّر ميزان القوى، لكنه لن يصنع وحده نظاماً إقليمياً.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الشرق الأوسط يتعلم من حروبه؛ فهو يتعلّم تكتيكياً باستمرار. السؤال هو ما إذا كان قادراً على الخروج من عقمه السياسي، فيتعلّم نظامياً. وطالما رزمة الحوافز لا تتغيّر، سيبقى الشرق الأوسط في جهوزية لخوض الحرب التالية، عاجزاً عن جعلها أقلّ ضرورة.
إقرأ أيضاً: من تغيير المنطقة إلى إدارة البقاء: كيف انكمش مشروع «محور الممانعة»؟