معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

كيف تُحاصر خيارات الحزب ويُدفع لبنان إلى المصيدة التالية؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

لا يحتاج الخصم إلى صناعة أخطائك كي يستثمرها. فهل يُدفع الحزب، ومعه لبنان، إلى مصيدة جديدة تضيق فيها الخيارات أيّاً كان الاتجاه؟

 

لا تبدأ الحروب دائماً بإطلاق الصواريخ. أحياناً تبدأ بتشكيل قناعات الخصم وإرباك حساباته، والتأثير في الصورة التي يحملها عن عدوه وقدراته، وصولاً إلى دفعه نحو خيارات قد تخدم خصمه من دون أن يدرك نتائجها كاملة. فالحرب الحديثة لا تُدار بالقوة النارية وحدها، بل بالمعلومات والخداع والتهديد، وبالقدرة على التأثير في ما يراه الخصم ممكناً أو مستحيلاً.
لا يعني ذلك قراءة العقول أو التحكم بها، بل استثمار مخاوف الخصم وقناعاته وأخطاء تقديره. وفي التجارب الإسرائيلية الحديثة، برزت القدرة على تحويل خيارات الخصم ونقاط ضعفه إلى فرص عملياتية واستراتيجية. واليوم، مع تداخل التفاوض والتهديد العسكري في المواجهة مع إيران، يبرز سؤال يتجاوز طهران: هل يُدفع حزب الله ولبنان أيضاً إلى خيارات تضيق معها البدائل، مهما اختلفت اتجاهاتها؟

البيجر ووهم الحصانة: حين يتحول البحث عن الأمان إلى فخ

في شباط ٢٠٢٤، حذّر الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله من الهواتف المحمولة، معتبراً أنها أخطر من العملاء، وداعياً إلى الحد من استخدامها. وفي أيلول من العام نفسه، انفجرت أجهزة البيجر والاتصال اللاسلكي التي يستخدمها الحزب، في عملية كشفت اختراقاً معقداً لسلسلة التوريد.
لم يكن الأمر ثغرة عابرة. فتقرير “واشنطن بوست” تحدث عن جهد استخباراتي امتد سنوات، وشركات واجهة أوروبية، وشبكة من الشركات الوسيطة صُممت لإخفاء الصلة الإسرائيلية بالأجهزة قبل وصولها إلى الحزب. هكذا تحولت وسيلة يُفترض أنها أكثر أماناً إلى أداة اختراق واستهداف. ولا دليل على أنّ تحذير نصرالله كان السبب المباشر لاختيار تلك الأجهزة، لكن الدلالة الأهم أنّ البحث عن الحماية لم يمنع الخصم من استثمار منظومة الحماية نفسها وتحويلها إلى نقطة ضعف.

من غزة إلى ٧ أكتوبر: استثمار الخطأ لا صناعته

في أيار ٢٠٢١، أعلن الجيش الإسرائيلي أنّ قوات جوية وبرية تهاجم غزة، قبل أن يتراجع ويوضح أنّ قوات برية لم تدخل القطاع، عازياً ما حصل إلى خطأ في التواصل. طُرحت فرضية أنّ الإعلان كان خدعة لدفع مقاتلي حماس إلى الأنفاق التي استهدفتها الغارات، لكن التعمّد لم يثبت ونفاه الجيش. ومع ذلك، تكشف الواقعة كيف يمكن للمعلومة الملتبسة أن تصبح جزءاً من المعركة وتؤثر في حسابات الخصم.
وفي ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، تلقت إسرائيل ضربة استخباراتية وأمنية كبرى، بعدما استبعدت تقديرات داخل مؤسستها الأمنية قدرة حماس على تنفيذ خطة “جدار أريحا”، رغم وجود مؤشرات عليها. لا دليل على أنّ إسرائيل دبّرت الهجوم أو دفعت يحيى السنوار إليه. لكن ما تلاه أظهر قدرتها على استثمار نتائجه، وتوظيف الصدمة لتوسيع الحرب على غزة وحشد الدعم الدولي، ثم نقل المواجهة إلى جبهات أخرى.

راهن السنوار على أنّ الهجوم سيحدث صدمة استراتيجية تستدعي تدخلاً إقليمياً واسعاً وتغيّر المعادلات. وكان لحزب الله حساب مختلف: فتح جبهة إسناد مع إبقاء المواجهة ضمن حدود محسوبة، فيما تجنبت إيران التدخل العسكري المباشر في المرحلة الأولى. لم تكن هذه الرهانات خطة واحدة ولا حسابات متطابقة، لكنها التقت في تقديرات لم تمنع إسرائيل من توسيع الحرب واستثمار نتائجها. ومع انتقال المواجهة إلى لبنان، دفع الحزب ثمناً عسكرياً كبيراً في قيادته وبنيته وقدراته.
ليس على الخصم أن يصنع خطأك كي يستثمره، ولا أن يتحكم بقرارك كي يحوّل نتائجه إلى مكسب.

إيران بين التفاوض والتهديد: الغموض في قلب الحسابات

اليوم، تتداخل المسارات الدبلوماسية والعسكرية في المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران. فقد عاد الوسطاء القطريون إلى طهران في ٣٠ تشرين الأول لدفع جهود التوصل إلى اتفاق، بعدما قدمت قطر مسودة مقترح، وسط خلاف على ترتيب التفاوض: واشنطن تريد بحث الملف النووي منذ البداية، فيما تطالب طهران بإنهاء الحصار على موانئها ورفع العقوبات عن صادراتها النفطية.

وفي موازاة ذلك، تحدثت تقارير صحافية عن رسالة وجّهها نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى المسؤول الإيراني محسن رضائي، وعن عرض لقاء لإحياء المفاوضات. لكن الرئيس دونالد ترامب قال إنّ تواصل فانس يتعلق بإيصال مساعدات طبية، لا باستئناف مفاوضات أوسع. كما تزامنت هذه الإشارات مع تقارير عن بحث خيارات عسكرية لاستئناف الضربات.

لا يمكن الجزم بأنّ التفاوض مجرد غطاء لضربة عسكرية، أو أنّ واشنطن وتل أبيب تديران خطة خداع موحدة. لكن اجتماع المسار الدبلوماسي والتهديد العسكري يضع طهران أمام معادلة ضاغطة: هل تفاوض تحت التهديد وتقدم تنازلات، أم تتمسك بمواقفها وتخاطر باستئناف المواجهة؟ وقد يكون إبقاء الاحتمالين مفتوحين أداة ضغط بحد ذاته، حتى من دون خطة تتحكم بكل تفاصيل المشهد.

مأزق حزب الله الثلاثي: التدخل أم الحياد أم انتظار الضربة؟

يواجه حزب الله معادلة أشد تعقيداً. فبعد خسارة قيادات أساسية وجزء كبير من قدراته، يعمل على إعادة بناء منظومته العسكرية. ووفق تقرير “رويترز” في ٢٦ تشرين الأول، أمضى الحزب ثلاثة أشهر في الاستعداد لاحتمال استئناف المواجهة مع إسرائيل، مستفيداً من تمويل إيراني جديد لتعزيز قدراته في المتفجرات والطائرات المسيّرة وإعادة بناء بعض منظومات القيادة والسيطرة.

أمام الحزب ثلاثة مسارات، لكل منها كلفته: التدخل دعماً لطهران قد يمنح إسرائيل مبرراً لتصعيد جديد يهدد ما تبقى من بنيته العسكرية ويضع لبنان أمام حرب أخرى، والامتناع عن التدخل قد يكشف حدود التزامه بمحور تقوده إيران؛ أما تجنب المواجهة مع مواصلة إعادة بناء قدراته، فلا يضمن له الحماية من الضربات الإسرائيلية والقيود الأمنية والسياسية. وهكذا لا يبدو أي من الخيارات الثلاثة مخرجاً آمناً، فيما تتقاطع حساباته مع الحسابات الإيرانية من دون أن تتطابق معها بالضرورة.

ولا ينفصل هذا المأزق عن الواقع اللبناني. فمنذ إطار التفاهم الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في حزيران، يدور البحث حول انتشار الجيش ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية وانسحاب القوات الإسرائيلية. لكن التنفيذ متعثر، والضربات والوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب مستمران. إسرائيل تربط الانسحاب بإزالة التهديد، وحزب الله يرفض التخلي عن سلاحه، فيما تجد الدولة نفسها مطالبة باستعادة سلطتها من دون امتلاكها وحدها أدوات فرض التسوية.

والأخطر أنّ كلفة هذه المعادلة لا تقع على الحزب وحده. فالدمار والنزوح والتهديدات العسكرية تحوّل المجتمع اللبناني إلى طرف يدفع ثمن قرارات لم يشارك في صنعها. لكن رفض استمرار السلاح خارج سلطة الدولة لا يبرر الاحتلال، كما أنّ مواجهة الاحتلال لا تبرر فرض حرب جديدة على اللبنانيين أو قبول ترتيبات لا تضمن الانسحاب والسيادة.

المصيدة التالية

الخطر في حروب الإدراك ليس أن يكون الخصم قادراً على قراءة الغيب، بل أن ينجح في استثمار مخاوفك وأخطائك وتناقضاتك، فتتحول خياراتك نفسها إلى جزء من المشكلة. وقد لا تكون الضغوط الراهنة حلقات في خطة واحدة، لكن تزامن التفاوض والتهديد واستمرار الاستهداف الإسرائيلي ومحاولات الحزب إعادة بناء قدراته يضع لبنان أمام اختبار جديد.

فالمصيدة الأخطر ليست خسارة حزب الله جولة عسكرية أخرى فحسب، بل أن يجد لبنان نفسه أمام ثلاثة احتمالات: حرب لا يقرر توقيتها، أو تسوية تُفرض تحت النار، أو واقع أمني جديد لا يضمن الانسحاب ولا يستعيد السيادة. والسؤال الذي لا يمكن تأجيله: من يملك قرار الحرب والتفاوض ومستقبل الجنوب، ومن يتحمل كلفة القرارات التي تُتخذ باسمه؟