اشتعلت موجة من ردود الأفعال السلبية رداً على المواقف التي أطلقها رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع خلال إطلالته الإعلامية عبر منصة “السياسة”، حول أهمية الغطاء العربي، والسعودي تحديداً، لدعم الموقف الموقف اللبناني على طاولة المفاوضات الأميركية مع إسرائيل…
أين أخطأ الدكتور سمير جعجع؟
هو قال بالحرف في المقابلة المذكورة، أنّ “الوضعية المثالية هي التفاهم مع دول الخليج والسعودية على موعد السلام مع إسرائيل”.
ما كان لافتاً هو ظهور تيار لا يستهان به، متنوّع، إنما ذو نزعة مسيحية غالبة، وداعم للسلام، بل وحتى التحالف الكامل مع الدولة العبرية، ورافض لمواقف جعجع ولأي تحالفات عربية، ولا سيما مع دول الخليج العربي. وما كان لافتاً أنّ عدداً كبيراً من الذين هاجموه:
- إما ينتمون إلى تيار الفدرالية الذي تموّله جهات خارجية.
- وإما يقيمون في دول لها علاقة “تطبيعية” مع إسرائيل.
- وإما هم محسوبون بالكامل على إسرائيل، وينشرون مقالات عبرية ويعطون مقابلات لوسائل إعلام عبرية.
الفدراليون “المسيحيون”: الطائف ضدّ الفدرالية؟
جزء واسع من هذا التيار هم حسابات مسيحية على مواقع التواصل الاجتماعي. إضافةً إلى شخصيات مسيحية حصراً. كي يكون الهجوم له “طعم” و”معنى” ضدّ الزعيم المسيحي الأوّل في لبنان.
وهذا التيار يؤيّد تطبيق النظام الفيدرالي في لبنان على حساب التخلص من اتفاق الطائف واعتباره “جثة سياسية”. فيما تقول الحقيقة أنّه عملياً لا يوجد تعارض جدي بينه التطبيق الكامل لـ”اتفاق الطائف” وبين “الفدرالية”. في ظل إقرار الثاني باللامركزية الإدارية الموسّعة. وهو بند لم يطبّق قط. ويمكن النقاش حياله لإنتاج تطبيقات عملانية عبر قوانين ومراسيم تؤدي الغاية نفسها.
مع ذلك، فإنّ المفارقة الأساسية في موجة الرفض العارمة لمواقف جعجع بالذات، هو أنّ جزءاً بارزاً منها ينتمي إلى بنية اجتماعية وسياسية كانت تعدّ تاريخياً “القوات اللبنانية” رأس حربة السيادة. لكنها باتت اليوم تميل لبناء تموضع مسيحي مستقل بالكامل عن المحيط العربي. بل أقرب إلى إسرائيل.
زمن “ما بعد” حزب الله
على هامش هذه الموجة التفاعلية التي عمت منصات التواصل الاجتماعي، وما حفّ بها من نقاشات موازية تأييداً أو رفضاً أو ما بينهما، فإنها تشكل مؤشراً صلباً على أن لبنان دخل عصر ما بعد حزب الله والمشروع الإيراني التوسعي. حيث يمسي من الطبيعي ظهور نزعات راديكالية داخل البنيات الاجتماعية التي عانت طويلاً من الوصايات، وشعرت بأنّها محاصرة ديموغرافياً وسياسياً، كتعبير عن رفضها لإعادة إنتاج الصيغ التي تفتح الباب أمام أي وصاية جديدة.
غير أن الملاحظة التي لا يمكن تجاوزها هو ذاك الربط غير المبرّر بين مسألة السلام الكامل مع إسرائيل والفيدرالية، والذي عاد واكتسب بعداً أكبر، ورواجاً أقوى غداة التطاول على البطريرك الراعي وما تمثله بكركي من رمزية مكثفة على صعيد الفكرة اللبنانية، من قبل جمهور ومؤثري حزب الله.
الأمر الذي يكشف وجود بنية اجتماعية تجد في الربط بين الطرحين فرصة للخلاص مما تعدهّ “هيمنة إسلامية”، وتعتبر أن الوضع الراهن يشكل فرصة ذهبية لفرض حصول هذا الأمر. ولا تنظر إلى إسرائيل كحليف بقدر ما تعتبر الانفتاح عليها يشكل أداة توازن مقابل المشروع الإيراني راهناً، وأي تحالفات عربية وإسلامية مستقبلاً.
الخلط بين “الفدرالية” و”التطبيع”
لذلك ثمة لوبيات ضغط متنوعة تظهر توالياً وتتوسع في حملاتها. بيد أنّه ثمة إشكالية كبرى تتمثل في هذا الخلط بين الفيدرالية وتغيير النظام السياسي من جهة، وبين مسألة التفاوض مع إسرائيل من جهة ثانية.
فطالما أنّنا نتحدث عن نظام فيدرالي، وهو بالمناسبة ليس من المفترض أن يكون فزاعة لأي شريحة اجتماعية أو دينية، فذلك يعني أنّ الدولة ستبقى على شكلها الحالي مع تغيير الوحدات السياسية.
فالفيدرالية هي نظام حكم مرن يُبقي الدولة كمركز يناط به مسؤولية صياغة القرار السياسي الوطني، بالإضافة إلى احتكاره عدة عناصر استراتيجية أبرزها ثلاثاً:
- السياسة الخارجية.
- والسياسة الدفاعية، وضمناً الجيش.
- والسياسة المالية والعملة الموحدة.
وبالتالي فإنّ الدولة نفسها، أي المركز، من ستجلس على طاولة التفاوض مع إسرائيل، أو مع غيرها، لتبرم اتفاقيات ملزمة لجميع الوحدات السياسية.
والطريف أنّه في الدول الفدرالية لا يكون هناك خلاف في هذه النقاط الثلاثة، فيما الخلافات الطائفية في لبنان هي حول هذه النقاط الثلاثة، وربّما “فقط لا غير”.
حتّى التغيير المزمع حصوله في آليات تكوين المؤسسات الدستورية في المركز نتيجة تطبيق النظام الفيدرالي، فإنه يحتاج نقاشات سياسية، ويستلزم وقتاً ليس بقليل. وعليه يغدو الربط بين الطرحين عامل ضغط ليس إلا، على صناع القرار في الدولة، وعلى الأطراف السياسية المعنية، وخصوصاً المسيحية.
بيد أن اتّساع موجة الضغط لا يعني تجانس دوافعها أو وحدة غاياتها ومراميها. فهي تجمع بين نزعات متباينة:
- بعضها يرى في الانفتاح على إسرائيل تموضعاً استراتيجياً ضمن شبكة تحالفات إقليمية.
- وبعضها يتعامل معه كأداة توازن مؤقتة في مواجهة المشروع الإيراني، والتحالفات العربية – الإسلامية الناشئة.
- فيما يذهب بعضها الآخر أبعد من ذلك من خلال توظيف المسألة كمدخل للتخلص من كل ما يعده امتداداً لـ”الثقل الإسلامي” داخل لبنان.
وعليه، فإنّ أيّ انتقال من مرحلة الضغط النظري إلى لحظة الخيارات السياسية الفعلية كفيل بإطهار التناقضات الكامنة داخل هذه الموجة، وتحويل ما يبدو اليوم اضطفافًا واحداً إلى مسارات متعارضة ومتباعدة. وبالتالي فإنّ عملية بناء المقاربات للتعامل مع التعقيدات السياسية ينبغي أن يرتكز على فهم دوافع هذه الحالة، أوالكتلة وتناقضاتها.
لكنّ الثابت أنّ هناك يداً خفية حرّكت كلّ هذه الحملة ضدّ جعجع. فيها أيادي عديدة. الثابت فيها ما ورد في عنوان هذا النصّ.
إقرأ أيضاً: نازحو “بيال” يتمسّكون بالمخيّم: إيواء.. سياسة.. أو أمن؟