كيف تحوّل قانون العفو العام من مطلب لإنصاف المظلومين إلى أداة لاستثناء من وُلد القانون أصلًا من أجلهم؟
لم يُطرح قانون العفو العام في لبنان من فراغ، بل نشأ أساسًا لمعالجة ملف الموقوفين الإسلاميين الذين أمضى كثير منهم سنوات طويلة في السجون من دون محاكمات عادلة، أو بموجب أحكام وصفها حقوقيون وناشطون بأنّها كيدية. وقد ثبتت براءة مئات منهم بعد سنوات من الاعتقال، ما جعل العفو العام مطلبًا إنسانيًا وقضائيًا قبل أن يكون قضية سياسية.
لكن ما إن اكتسب هذا الملف زخمًا، حتى تحوّل إلى بازار سياسي. فطُرحت مطالب لتوسيع العفو ليشمل تجار المخدرات، ناهبي المال العام، والعملاء لإسرائيل. فيما أصبح الموقوفون الذين وُلد القانون أصلًا لمعالجة مظلوميتهم مهددين بالاستثناء من جديد.
أرقام ضرورية لفهم ما يجري
يبلغ عدد ما “الموقوفين الإسلاميين” 146 شخصًا فقط من أصل نحو 8000 سجين. أي أقل من 1% من مجموع السجناء في لبنان. ومع ذلك، يجري تصويرهم على أنّهم الخطر الأكبر على الدولة. في حين يغيب النقاش الجدي حول السلاح الخارج عن سلطة الدولة، ونهب المال العام، والإفلات المستمرّ من المحاسبة لمن قتلوا واغتالوا ونهبوا وسرقوا…
كلما طُرح ملف العفو العام، يُعاد استخدام شعار “قتلة الجيش” اللبناني لتبرير رفضه. إلا أنّ هذا الملف لا يخلو من أسئلة جوهرية. خصوصًا بعد ما أعلنه العميد المتقاعد والنائب السابق شامل روكز حين أقرّ بأنه هو من أقفل خط الاتصال مع قيادته خلال معركة عبرا. وهو تصريح بالغ الخطورة كان يفترض أن يفتح تحقيقًا قضائيًا وعسكريًا لتحديد ما إذا كان هذا القرار قد ساهم في سقوط شهداء كان يمكن تفادي استشهادهم، ولماذا لم تُحدَّد المسؤوليات حتى اليوم.
صبلوح: وزير الدفاع عرقل القانون
محامي “الموقوفين الإسلاميين” محمد صبلوح اتّهم وزير الدفاع وقيادة الجيش بعرقلة إقرار قانون العفو العام. وأكد في حديث لموقع “الدّولة” أنّ دور هؤلاء داخل اللجان النيابية يجب أن يقتصر على تقديم المعطيات التقنية والاستشارية. لأن القرار النهائي يعود حصراً إلى النواب. وقال صبلوح: “كمية الحقد على فئة مظلومة في قضية العفو العام أمر يثير التساؤل عن مدى وطنية المعرقلين وأجنداتهم المشبوهة”. وأضاف: “كفى متاجرة بدماء شهداء الجيش. اكشفوا من قتل شهداء عبرا، وأنا أزوّدكم بتفاصيل مرعبة موثقة بشهادات حيّة”.
منير شحادة: “زلمة” حزب الله
نصل إلى ملفّ الرئيس السابق للمحكمة العسكرية العميد منير شحادة. الذي صدر في عهده قرابة 40 حكمًا بالإعدام وعشرات الأحكام بالمؤبّد بحقّ موقوفين إسلاميين. وبعدما تقاعد تحوّل إلى مهرّج تلفزيوني، مواقفه السياسية مؤيدة لحزب الله والنظام الإيراني بشكل معلن وواضح.
في المقابل، توحّد النواب السنّة خلف مطلب إقرار العفو العام، فيما ارتفع الصوت الشعبي من طرابلس إلى صيدا، ومن عكار إلى عرسال تحت شعار واحد: “الحرية للشباب المظلومين”. ترافق ذلك مع احتقان شعبي متصاعد بين المدن والمناطق السنيّة، لأنّ الشارع لم يعد يحتمل استمرار الظلم والاستنسابية.
الظلم “السنّي” والشارع الغاضب
حتّى بات السنّة يشعرون بأنّ الانتماء إلى الطائفة السنية قرينة اتهام بحد ذاته. إذ يكفي أن يكون المتّهم سنّيًا حتى يُوصَم بالإرهاب، بينما يتحوّل من يحمل السلاح من طائفة أخرى إلى “مقاوم” أو “بطل” أو “صاحب قضية، يخرج من السجن بتهمة حيازة أسلحة وصواريخ بمبلغ 20 دولاراً أميركياً فقط.
فإذا كانت السلطة تريد فعلًا إرساء العدالة، فلا بديل عن أن تُقرّ قانون العفو العام وفق معايير واضحة ومنصفة. أما إذا كان المطلوب العفو عن الجميع، من تجّار المخدرات إلى ناهبي المال العام والعملاء، مع استثناء الموقوفين الذين وُلد هذا القانون أصلًا لإنصافهم، فإنّ ذلك لا يعني سوى تكريس رسمي للتمييز والعدالة الانتقائية ضدّ أهل السنّة.
إقرأ أيضاً: الحزب سجن “الموقوفين الإسلاميين”… ويريد استثمار “العفو العام”