عنوان الفيلم يشي بالتبرير والتهرب من المسؤولية. وهكذا هي الأنظمة، تغلّف ممارساتها بغلاف الخطأ؛ تارةً تشابه أسماء، وتارةً عناصر غير منضبطة، وتارةً أخرى حادثًا عرضيًا. وهنا بالتحديد، يلقي بناهي بسخرية من واقعٍ كلُّ شيءٍ فيه محسوب ومراقَب. فالأنظمة المستبدة تعمل حتى على مستوى اللغة لتخفيف وطأة الحقيقة، وبناهي يقدّم نقده بدءًا من العنوان.
وعلى الرغم من العقوبات المفروضة على مخرج الفيلم من قبل النظام في إيران، فإنه قرر العودة عبر تركيا إلى بلاده، حتى لو كان الثمن كبيرًا، في ظل معلومات عن عفو أو تساهل من قبل النظام.
وُجّهت إلى بناهي تهمة الدعاية ضد النظام، وهي التهمة ذاتها التي وُجّهت إلى بطل فيلمه. اعتُقل بناهي عدة مرات، ومُنع من السفر، وحُظرت أفلامه، إلى جانب أشكال أخرى من التقييد. وفي عام 2022، سُجن المخرج البالغ من العمر 65 عامًا لمدة سبعة أشهر، قبل أن يدخل في إضراب عن الطعام أدى إلى الإفراج عنه بعد يومين فقط.
ولكن السؤال الذي يبرز: لماذا يقدّم النظام هذا التساهل الآن ويضمن حرية المخرج؟ وبطبيعة الحال، يمكن القول إن النظام، في ساعة الحشر، يبدأ بتقديم المكتسبات للرأي العام، ويضطر مُرغمًا إلى تخفيف شدة قبضته الحديدية على المبدعين، فما يصح إبان السلم والقوة لا يصح إبان الحرب والضعف.
إنه فيلم عن عنف الدولة والرغبة في الانتقام غير المكتمل الشروط، وعن الألم الذي يخلّفه الطغيان في نفوس المواطنين العاديين. يحكي الفيلم قصة رجل يقود سيارته ليلًا، وبرفقته زوجته الحامل وابنته الصغيرة، قبل أن يصدم كلبًا في الظلام. هذا الحادث “العرضي البسيط” يؤدي إلى تعطل سيارته، فيتوقف عشوائيًا عند مرآب يملكه وحيد. السائق يعاني من إعاقة، إذ يعرج أثناء المشي، وله ساق اصطناعية لأنها بُترت خلال مشاركته في القتال في سوريا.
وما إن يراه وحيد حتى يُصاب بالذهول والخوف والغضب، لأنه يدرك فجأة أنه يعرف هذا الرجل. ومن هنا تبدأ سلسلة غريبة من الأحداث تجمع مجموعة متفرقة من معارف وحيد، جميعهم تعرضوا للأذى على يد هذا الرجل/السجّان. تقوم المجموعة بخطفه، لكن من دون التيقن من أنه هو “إقبال” السجّان.
ولأنهم جميعًا كانوا معصوبي الأعين في السجن، فإن إدراكهم للسجّان بات حسيًا: وحيد يتعرّف إليه من خلال صوت قدمه، وشيفا من خلال الرائحة، وحميد عبر لمس الندوب على ساقه. هذا التركيز على الحواس يوحي بمدى التصاق العنف بالذاكرة الحسية للبشر حتى الممات.
كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا بعدما تُنتزع منه إنسانيته؟ وكيف يمكنه ألّا يلجأ إلى استخدام أدوات خصمه البالية نفسها في المواجهة؟ يبدو أحيانًا أن تلك هي الوسائل الوحيدة المتبقية لديه.
يطرح الفيلم تساؤلات عديدة: هل يمكن للضحية أن تتحول إلى جلاد؟ وهل يمكن للجلاد أن يتحول إلى ضحية؟ وعن السؤال الأول، يجيب الفيلم بأن الضحايا لم يتحولوا إلى جلادين، وجلّ ما كانوا يبتغونه اعتذارًا وإبداء الأسف والندم على ما فعله.
لكن الفيلم لا يجيب عن السؤال الثاني، ويتركه معلّقًا للمشاهدين. فالسجّان الذي عذّب الضحايا، وبعد اعتقاله من قبل الضحايا المسجونين الأبرياء ثم إطلاق سراحه، يعود في نهاية الفيلم، في المشهد الأخير تحديدًا، وفي اللقطة الأخيرة، من دون أن نرى وجهه، لكننا نشعر بوقع خطواته وهو يدخل إلى مكان عمل الضحية، ثم تنطفئ الكاميرا، شاشة سوداء: هل يقوم السجّان بالاقتصاص من الضحايا مرة أخرى لما فعلوه به؟ أم أن شيئًا سيكولوجيًا تحوّل بداخله بعد طول تفكير، وبفعل التجربة التي مرّ بها، فيعود ليعتذر ويتصالح مع ضحاياه؟ أم أن تعليق الأمل على النظام وأجهزته كي تقوم بالتصرف الصحيح يشبه انتظار غودو؟
وهنا تأتي المفارقة، فوحيد، وهو أحد المسجونين، يخشى أن يقع فريسة الشك، كي لا يظلم صاحب الساق الاصطناعية، ويريد التأكد تمامًا من أنه الشخص نفسه. بينما، في المقابل، لا يأبه السجّان بتعذيب المسجونين، سواء كانوا مظلومين أم أبرياء. هذه مفارقة تدلّنا على العقلية التي يعمل بها الأمن في الأنظمة القمعية. وفي لحظة ما، تقول إحدى الشخصيات: “نحن لسنا مثلهم”، مشيرة إلى أنها لن تنزلق إلى التحول إلى طاغية.
إقرأ أيضاً: “وحدة الساحات” في اختبارها الثاني: سؤال الدَّم الشِّيعي