مع تجدُّد الحرب في الجنوب، «تفشَّى» سؤالُ «أين إيران؟» داخل بيئة «حزب الله» نفسها، لا بوصفه سؤالًا عاطفيًّا أو استنصارًا فقط، بل كمدخلٍ إلى مساءلة الحرب وسرديَّة «المحور». وبينَ الاستنصار والخذلان، تتكشَّف حدود العلاقة بين الحزب وطهران وحدود ما تستطيعُ إيران تقديمَه حين تتقدَّم مصالحها على كلِّ شيء.
مجتمع «حزب الله»: هل من إيرانٍ تنصرُنا؟!
أعادتْ حرب الإسناد الثاني، المُمتدة منذ 2 آذار إلى اليوم، سؤالَ «أين إيران؟» إلى واجهة السجالات اليوميَّة داخل المُجتمع الشيعي عمومًا، ومجتمع «حزب الله» على وجه الخصوص. هذا الاستنصارُ ليس جديدًا على مجتمع «حزب الله» إذْ أنَّه كان من أبرز سجالاته خلال الحرب الأولى عام 2024. لكنَّ الجديد هذه المرَّة هو ارتفاع صوت هذا السُّؤال الاستنصاري، إن جاز التعبير، من داخل «بيئة» الحزب تحديدًا إلى الحدِّ الذي دفع عددًا من «المؤثِّرين» وبعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تنفيذ «هجوم مُضاد» في وجه الصوت الذي ينتقد خذلان إيران للجنوب أو عدم نُصرتِه و«إسناده» بشكلٍ كافٍ أو متساوٍ مع إسناد «حزب الله» لغزَّة وإيران. ولا يخفى أنَّ أحد أوجه أزمة فكرة «وحدة الساحات» هو حاجتُها الدائمة إلى حملات، عنفيَّةٍ أحيانًا، للدلالة عليها وإثبات وجودها
الاستنصار كمُقدِّمة للمُحاسبة
وممَّا قد يُفسِّرُ دوافع هذا الهجوم المُضاد هو أنَّ استنصار إيران واتهامها بالخذلان أو التقصير يُعتبرُ مُقدمة لأسئلةٍ عن الوجود الحقيقي لـ«المحور» و«وحدة الساحات»، وبالتَّالي هي مقدِّمة لمُساءلة قرار «حزب الله» دخول الحرب واتِّهامه في حقيقة دوافعه، أو حتَّى في شرعيَّة قراره. بعبارةٍ أُخرى، إنَّ اتِّهامَ إيران بالخذلان أو التقصير يفتح بابًا لضرب كامل السَّرديَّة التي يُقدِّمها «حزب الله» لـ«بيئته». بخاصَّةٍ أنَّ هذه هي تجربتهم الثانية مع خذلان إيران، أو تقصيرِها بالحد الأدنى، بعدَ تجربتهم خلال الحرب الأولى عام 2024. وصحيحٌ أنَّ الواقع الكارثي هو الدافع الأول وراء هذا الاتهام لإيران بالتقصير وعدم نُصرة الجنوب، لكن العامل المهم في المسألة هو أنَّ هذا الواقع ذي الدمار والقتل المُتضاعِف يوميًّا هو نتيجة حربٍ خيضت إسنادًا لإيران قبل أن تُخاضَ ردًّا على خروقات الأشهر الخمسة عشر، أو على الأقل هو من تداعيات «وحدة الساحات».
إيران ووقف إطلاق النار
في مُقابل هذا الاستنصار، يُقدِّمُ «حزب الله» خطابًا مؤداه أنَّ إيران تفاوض «من أجلنا» وأنَّ مضيق هرمز مُغلقٌ من أجل لُبنان. بدأ هذا الخطابُ منذ اللحظة الأولى التي أُعلن فيها عن وقف إطلاق النار في إيران ثُمّ في لبنان يوم 17 نيسان حين دعا الحزب إلى «شُكر إيران» لأن اتفاق وقف إطلاق النار أتى بـ«ضغط إيراني». طبعًا هو الاتفاق نفسه الذي يُهاجم حزب الله «الدولة» اللبنانية لأنها هي من أتت به!
وخطابُ الحزب هذا يُقدَّمُ إلى الجمهور بأسلوبٍ يتعارضُ مع بدهيات السياسة من جهة، ومع حقيقة العلاقة التي تربط إيران وحزب الله من جهة ثانية. لذلك، يُعدُّ تحديد وتوصيف علاقة «حزب الله» بإيران بشكلٍ دقيق وسليم أحد الأمور الضروريَّة لفهم حالة «حزب الله» في مسارِها ومصيرِها على حدٍّ سواء.
«حزب الله» وإيران
العلاقةُ بين إيران وحزب الله ليست علاقة دولة بحزبٍ أو حزبٍ بدولة، وإنما هي علاقة نظامٍ سياسيٍّ بحزبٍ قام هو، أي النظام، بتأسيسه. وهي بالتَّالي علاقةٌ تربطُ «حزب الله» بالنِّظام الإيراني، لكنَّها لا تربطُ النِّظام الإيراني بالحزب. حتَّى على المستوى العقائدي، «حزب الله» هو الذي يرتبط بإيران_«دولة الولي الفقيه»، وليس العكس. بعبارةٍ ثانية، إنَّ سقوط «حزب الله» لا يعني سقوط النظام الإيراني، وإنْ كان يعني إضعافه بشكلٍ كبير إقليميًّا، في حين أنَّ سقوط النِّظام الإيراني يعني حُكمًا سقوط «حزب الله».
من جهةٍ ثانية، لا تدعمُ إيران الحزب لـ«وجه الله» ولم تدعمْه منذ العام 1982 لكي «يُحرِّر» أرضه. إذْ لو كان الهدف هو تحرير الأرض وحسب، كان بإمكانها أن تدعم «حركة أمل»، أو أي فصيل «مُقاوِم» موجود، دون أن تُؤسِّس هي فصيلَها الخاص. إنَّما أسَّست إيران وموَّلت ودعمت «حزب الله» من أجل ما بعد «التحرير»، وتحديدًا من أجل هذه اللحظة التي نحنُ فيها اليوم.
موقع «حزب الله» في المفاوضات
ربما يكون صحيحاً أنَّ الضَّغط الإيراني ساهمَ، إلى جانب ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب وموقف الرئيس جوزاف عون الذاهب إلى التفاوض مع إسرائيل، بوقف الحرب الشاملة في لبنان وحصر المعارك في جنوبِه حاليًا. وصحيحٌ أنَّ إيران تضعُ وقف الحرب في لبنان، على الأقلّ إعلامياً، ضمن ورقة المطالب في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. ورغم أنَّها لن تُقاتلَ دفاعًا عن «حزب الله» ولن تقومَ بـ«حرب إسنادٍ» لجنوب لبنان، لكنَّها في الوقت نفسه لن تتخلَّى عن الحزب بسهولة. هذا كُلُّه قد يكون صحيحاً.
لكنّ السُّؤال ليس «هل ستفعل ذلك؟»، وإنّما هو «لماذا تفعل ذلك؟».
بلغةٍ سياسيَّةٍ، النظامُ الإيرانيُّ يُدافعُ عن نفوذه الذي بناه على مدى 44 سنة؛ يُدافع عن ملياراتٍ دفعَها و«استثمرها» في الفصائل والتنظيمات الموالية له، وتحديدًا في «حزب الله» الذي يُعدُّ ذروة نجاح التجربة الشِّيعيَّة الإيرانيَّة.
بعبارةٍ أُخرى، النظامُ الإيرانيُّ يُدافعُ عن إحدى أكبر نوافذه إلى العالَم. فالنظام الإيراني يتعاطى مع الحرب في لبنان ليس كبندٍ من جُملة بنودٍ وحسب، بل كجبهةٍ/ ساحةٍ من جُملة جبهاتٍ/ساحاتٍ يستطيعُ تحريكَها من أجل مصالحه الخاصة دون أن يكون في حاجةٍ لأن يتحرَّك، بنفس القدر، من أجل مصالحها الخاصة وليس في حاجةٍ بالمُطلق لأن يتحرَّك من أجل مصالح الدول التي تعيشُ فيها هذه الفصائل. وبالتَّالي، لا يُفاوضُ النظام الإيراني «من أجل» الحزب، وإنَّما يُفاوضُ عليه أو به.
من أجل الحزب أو الشيعة؟
إذًا، فإن مُقاربة النظام الإيراني للحرب على «حزب الله» تقوم على أساس مصلحة النظام الإيراني وليس مصلحة «حزب الله»، فضلًا عن مصلحة الطائفة الشيعية أو لبنان. من هُنا، لن تخوض إيران حربًا من أجل «حزب الله» تُخرجُها عن مسار التفاوض مع الولايات المتحدة حتى وإن كان مسارًا شاقًّا ومُكلفًا.
وبالتَّالي، فإنَّ سقف الدعم الإيراني لحزب الله هو ألَّا تُصبحَ كلفةُ هذا الدَّعم أكبر من مردودِه على مصلحة النِّظام الإيراني التي تُعادِلُ دورَه الإقليمي الذي يُعادلُ بدورِه وجودَ النِّظام. من هُنا، يغدو استنصارُ إيران ومُطالبتُها بفتح جبهة إسناد الجنوب… يغدو هذا مُقدِّمةً لإعادة النظر في فكرة حقيقة «وحدة الساحات» التي باتتْ تُشبه حُفرةً تَفيضُ بماء المطر في الشتاء… وتجفُّ في أوَّلِ الصَّيف!
إقرأ أيضاً: الحزب سجن “الموقوفين الإسلاميين”… ويريد استثمار “العفو العام”