معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

الأمن الغذائي في لبنان تحت ضغط الحرب: الغذاء متوفر… لكن القدرة على شرائه تتآكل

المساعدة البصرية: حجم الخط

في وقتٍ تتزايد فيه التحذيرات الدولية بشأن مستقبل الأمن الغذائي في لبنان، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا من مجرد نقصٍ في المواد الغذائية أو انقطاعٍ في سلاسل الإمداد. فالحرب المستمرة وما خلّفته من أضرار اقتصادية وزراعية وصناعية، تدفع البلاد تدريجيًّا نحو مرحلة جديدة من الهشاشة الاجتماعية والمعيشية، حيث يصبح الغذاء متوفرًا في الأسواق، لكنه بعيد المنال عن شريحة واسعة من اللبنانيين.

 

وكانت وكالات تابعة للأمم المتحدة قد حذّرت في بيان مشترك من احتمال تفاقم انعدام الأمن الغذائي في لبنان نتيجة الحرب بين إسرائيل وحزب الله، متوقعة أن يطال أكثر من مليون و200 ألف شخص خلال الأشهر المقبلة. وأشار البيان الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي ووزارة الزراعة اللبنانية إلى أن التصعيد العسكري الأخير بدّد التحسنات المحدودة التي تحققت سابقًا، وأعاد لبنان إلى دائرة الأزمة الغذائية الحادة.

وبحسب التقديرات الأممية، فإن نحو ربع السكان قد يواجهون مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي بين نيسان وآب 2026، مقارنة بنحو 874 ألف شخص فقط خلال الفترة السابقة، ما يعكس تدهورًا متسارعًا في الأوضاع المعيشية.

وفي هذا السياق، تؤكد فرح الشامي، مديرة برنامج الحماية الاجتماعية في “مبادرة الإصلاح العربي”، أن الأزمة لا ترتبط أساسًا بتوفر الغذاء بقدر ما ترتبط بالقدرة على الوصول إليه. وتوضح أن “المواد الغذائية الأساسية لا تزال متوفرة، والمطار والمرافئ ما زالت تعمل، كما أن مخزون القمح يكفي لعدة أشهر وفق ما تؤكده الجهات المعنية”، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في ارتفاع الأسعار وتفاوت القدرة الشرائية بين الفئات الاجتماعية.

وترى الشامي أن تداعيات الأزمة لن تكون متساوية بين اللبنانيين، إذ ستتمكن الفئات الميسورة من الحفاظ على مستوى غذائي مقبول من حيث الكمية والقيمة الغذائية، بينما ستجد الفئات ذات الدخل المحدود نفسها مضطرة إلى تقليص استهلاكها أو التخلي عن بعض الاحتياجات الأساسية.

ولا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الاقتصادي المباشر، بل تمتد إلى القطاع الزراعي الذي يشكل أحد أعمدة الأمن الغذائي في البلاد. فبحسب الشامي، تأثرت ما بين 10 و20 في المئة من الأراضي اللبنانية بالحرب، ولا سيما في الجنوب الذي يُعد منطقة حيوية للإنتاج الزراعي والغذائي. وتشير إلى أن الأضرار لن تنتهي بمجرد توقف الحرب، لأن البلاد تحتاج إلى إعادة إعمار واسعة في ظل غياب أي تعافٍ اقتصادي حقيقي حتى الآن.

كما طالت الأضرار القطاع الصناعي، وخصوصًا الصناعات الغذائية، إذ تؤكد الشامي أن نحو 40 في المئة من مصانع لبنان تأثرت بشكل مباشر أو غير مباشر بالحرب، ومعظمها مصانع مرتبطة بإنتاج الغذاء. وقد أدى ذلك إلى انخفاض العرض في الأسواق وارتفاع الأسعار بصورة إضافية.

وتضيف أن الأزمة تفاقمت أيضًا بفعل عوامل خارجية، أبرزها ارتفاع أسعار الأسمدة بنحو 30 في المئة نتيجة الحرب على إيران، إضافة إلى ارتفاع كلفة النقل والطاقة، ما انعكس مباشرة على كلفة الاستيراد والإنتاج الزراعي والغذائي.

ورغم الإجراءات التي اتخذتها الدولة لمحاولة ضبط أسعار السلع الأساسية عبر تحديد سقوف للأسعار، ترى الشامي أن هذه الخطوات لا تزال محدودة التأثير، لأنها لا تعالج الفجوة المتزايدة بين الدخل وكلفة المعيشة، ولا توفر حماية حقيقية للفئات الأكثر هشاشة.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن لبنان يواجه تحديًا يتجاوز مجرد تأمين الغذاء، ليصل إلى ضمان العدالة في الوصول إليه. فالأزمة الحالية تكشف بوضوح أن الأمن الغذائي لا يُقاس فقط بتوافر السلع في الأسواق، بل بقدرة الناس على شرائها والحفاظ على حدٍّ أدنى من العيش الكريم.

 

إقرأ أيضاً: العفو العام والعدالة الانتقائية: الانتماء السنّي “قرينة اتهام”