هناك مشاهد لا تحتاج إلى شرح، لأنها تصيب القلب قبل أن تصل إلى العقل.
ليست المأساة في أنّ اللبناني خسر بيته، ففي هذا البلد خسر اللبنانيّون بيوتهم مرّاتٍ لا تُحصى، ثم عادوا وبنوها من جديد. وليست المأساة في أنّ الحرب زارت لبنان مرة أخرى، فالحروب تكاد تكون جزءًا من التاريخ المعاصر لهذه الأرض. وليست المأساة حتّى في حجم الدمار، على فداحته، لأن لبنان عرف دماراً أكبر في مراحل مختلفة من تاريخه.
المأساة الحقيقيّة أن الخيمة وصلت إلى البحر.
قد تبدو الجملة عاديّةً لمن ينظر إلى الصورة بعينٍ عابرة، لكنها تحمل في عمقها قصة وطنٍ بأكمله. فبين الخيمة والبحر مسافة تختصر هوية لبنان.
كان البحر دائمًا رمز الانفتاح والحياة والحريّة والرزق والحلم. منه خرج اللبناني إلى العالم، وعبره عاد إليه، وعلى ضفافه قامت المدن التي صنعت وجه لبنان الحديث. وحين تستيقظ بيروت لتجد الخيام تحتل المشهد البحري، يصبح السؤال أكبر من قضيّة نزوح، وأكبر من تداعيات حرب.
يصبح السؤال: ماذا جرى لهذا البلد؟
في تاريخ الأمم لحظات تختصر مسارات طويلة من الأخطاء، لحظات لا تحتاج إلى لجان تحقيق ولا إلى كتب تاريخ كي تشرحها. تكفي صورة واحدة، والصورة التي رسمتها الخيام على الواجهة البحريّة ليست مجرّد صورة إنسانية مؤلمة، بل وثيقة سياسية كاملة.
وثيقة تقول إنّ لبنان الذي كان يومًا مساحة جذب في محيط مضطرب، أصبح يبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار داخل حدوده.
هذا المشهد لا يكشف حجم الدمار فقط، بل يكشف حجم الانحدار الذي أصاب فكرة الدولة نفسها. فالدولة ليست أعلاماً ومؤسساتٍ وخطاباتٍ رسمية، بل هي ذلك الشعور الصامت بالأمان الذي يجعل المواطن يعتقد أنّ هناك سقفًا يحميه عندما تسقط السماء فوق رأسه. وعندما يصبح البحر مأوى للخيام، فهذا يعني أن ذلك السقف لم يعد موجودًا.
المشهد مؤلم لأن اللبناني لا يحمل في ذاكرته الجماعية ثقافة المخيمات. فطوال الحروب التي عصفت بلبنان بقي النزوح حالةً استثنائية مرتبطة بظروف مؤقتة. كان الناس يتركون بيوتهم، لكنهم يبقون داخل النسيج الاجتماعي الذي يعرفونه؛ ينتقلون إلى بيوت الأقارب أو المدارس أو الأديرة أو القرى الآمنة. أما الخيمة فبقيت مرتبطة في الوعي اللبناني بمآسي الآخرين، قبل أن تتحوّل فجأة إلى جزء من المشهد اللبناني نفسه.
لهذا يشعر كثيرون بأن ما يحدث يتجاوز الخسارة المادية. هناك إحساس ثقيل بأن شيئًا من صورة لبنان يتداعى أمام أعينهم. فالأوطان لا تعيش بالحدود والجغرافيا فقط، بل تعيش بالصورة التي يحملها أبناؤها عنها. وحين تبدأ تلك الصورة بالتشقّق، يصبح ترميمها أصعب من إعادة بناء الأبنية المهدّمة.
وإذا كان التعاطف مع النازحين واجبًا أخلاقيّاً وإنسانيّاً لا يقبل النقاش، فإن تحويل المأساة إلى حدث منفصل عن أسبابه السياسيّة يمثل ظلماً إضافياً بحق الضحايا.
فالحروب لا تنشأ من الفراغ، والكوارث لا تهبط من السماء بلا مقدمات. خلف كل خيمة قرار، وخلف كل قرار حسابات، وخلف كل حسابات شعب يدفع الثمن مرّةً جديدة.
حين يصبح الخراب أمراً مألوفاً
من حق اللبناني أن يسأل: لماذا يتكرّر المشهد نفسه جيلاً بعد جيل؟ لماذا يتحوّل البلد في كل مرحلة إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليميّة؟ لماذا يُطلب من الناس دائمًا التضحية باسم قضايا أكبر من قدرتهم على الاحتمال؟ ولماذا ينتهي الأمر دائماً بالمواطن البسيط وهو يحمل خسائره وحده، بينما يحتفظ الجميع بخطاباتهم وانتصاراتهم النظرية؟
إن أخطر ما تصنعه الحروب ليس القتل ولا الدمار فحسب، بل اعتياد الخراب، أن تصبح المشاهد الصادمة مألوفة، وأن يفقد الناس قدرتهم على الدهشة أمام الكارثة، وأن تتحول الخيمة من استثناء إلى جزء طبيعي من المشهد العام. عندها لا تكون الحرب قد انتصرت على الحجر فقط، بل على الوعي أيضًا.
وفي تلك اللحظة تحديداً يصبح الدفاع عن فكرة لبنان أهم من أي وقت مضى، الدفاع عن لبنان الذي يشبه البحر لا المخيم، لبنان الذي يشبه البيت لا النزوح، لبنان الذي يشبه الحياة لا الانتظار الطويل تحت أقمشة مؤقتة ترفرف فوق رؤوس أناس لم يطلبوا سوى أن يعيشوا بسلام.
ولهذا تبدو الخيام المنتشرة على الواجهة البحرية أكثر من مجرد مأوى مؤقت. إنها شهادة اتهام صامتة بحق مرحلة كاملة، شهادة تروي كيف يمكن للأوطان أن تتعب، وكيف يمكن للشعوب أن تُستنزف، وكيف يمكن للسياسة، حين تفقد بوصلتها، أن تقود بلداً كاملاً من شرفات البحر إلى أبواب الخيام.
وحين ينظر اللبناني اليوم إلى تلك الأقمشة الزرقاء الممتدّة على حافة المتوسط، لا يرى مجرد نازحين، بل يرى وطناً يقف متعباً أمام البحر، ويسأل بصوت خافت:كم حربًا أخرى يحتاج هذا البلد كي يتعلّم أن كرامة الإنسان يجب أن تكون أعلى من كل المشاريع، وأبقى من كل الشعارات، وأقدس من كل الحسابات؟
اقرأ أيضاً: لُغز الناشط الفيدرالي: إدريس أم نوربرت؟