لماذا لا يعترف الحزب بأنّ بيئته خصبة للعمالة مع إسرائيل؟ السؤال يتجاوز الأمن إلى وظائف سياسية واجتماعية ونفسية أعمق، تكشف كيف يُدار المجتمع الشيعي في زمن الاختراق والحروب الحديثة.
حروب من طراز جديد
يلاحظ المراقب الفطن بوضوح أن الحروب الحديثة لا تشبه حروب الماضي، وهذا يدفعنا إلى النظر في طبيعة الحروب نفسها. فالحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، التي بدأت في 8 تشرين الأول 2023 مع إطلاق حزب الله ما سمّاه حرب الإسناد، ولا تزال فصولها مستمرة، لم تسِر على نمط سابقاتها، ولم تقتصر على الجيش والسلاح بشكل رئيسي عبر الاحتكاك المباشر، بل تغلغلت يد التكنولوجيا فيها بشكل أوسع على صعيد الأدوات والساحات والمعلومات. وشكّلت في جزء كبير منها، من جهة إسرائيل، حرب اختراقات أمنية وتجنيد، عبر الضغط النفسي والمالي والابتزاز. وقد ساعدت الظروف الاقتصادية السيئة في لبنان، والضغط النفسي الطويل، وتعب القواعد الشعبية، على تسهيل هذا الأمر.
ولأن لكل فعل في الحياة أثراً وهدفاً، وإن لم يكن ظاهراً للعوام، فإن لكشف حزب الله عن العملاء وظيفة على مختلف الأصعدة، منها السياسية والاجتماعية والنفسية.
البُعد السياسي: ضبط الصورة وإدارة الفشل
على الصعيد السياسي، يشكّل كشف الحزب عن العملاء، إلى جانب كونه فعلاً أمنياً، أداة سياسية بامتياز. فهذا الكشف يخدم في تثبيت الصورة المبلورة عنه، وفي إعادة الضبط الداخلي، وفي إدارة الفشل عبر ضبط صورة القوة والسيطرة بعد الاهتزاز. كما يحمل رسالة إلى الخصم بأنه على حرص شديد في متابعة عناصره وأفراده، وإلى الداخل رسالة شدّ للصفوف وحماية للبيئة، عبر إظهار الحرص على كشف الخونة.
البُعد الاجتماعي: إعادة تشكيل الجماعة
أما على الصعيد الاجتماعي، فكشف الحزب عن العملاء آلية لإعادة تشكيل المجتمع وضبطه، وتذكير بحدود الانتماء إليه. كما يُستخدم في محاولة استعادة الثقة وتوحيد الجماعة ضد عدو داخلي تُجمع عليه بلا نقاش. فهذا الكشف يحوّل الشك المبهم إلى وضوح، ويعزز الإحساس بالعدالة وبأن لا خيانة تمرّ من دون حساب وعقاب. كما يقوّي المناعة المجتمعية، فيعزز الرقابة الذاتية، ويجعل الجميع في حال يقظة وترقب عاليين، فيخف بذلك القلق العام ويُفرَّغ التوتر المكبوت. وقد يُستخدم هذا الكشف أيضاً كشماعة لتغطية الانحلال والتفكك الاجتماعي القائم أصلاً.
البُعد النفسي: من القلق الغامض إلى الخوف المحدد
وأما الهدف النفسي من كشف الحزب عن العملاء، فيحمل رسائل عدة. فهو يدير الخوف والقلق لدى جماعة تشعر بالتهديد، إذ يفضّل الإنسان في لاوعيه خوفاً محدداً على قلق غامض الشكل. ويسعى هذا الكشف أيضاً إلى إشعار الناس باستعادة السيطرة، بهدف بناء الثقة بالجهة الكاشفة، وتخفيف الشعور الجماعي بالعجز؛ فنحن لسنا ضعفاء، بل مخترقون. كما يهدف إلى تفريغ غضب الناس تجاه أفراد ميدانيين يتحولون إلى كبش فداء نفسي.
حين يتحول الكشف إلى عبء
ورغم كل ذلك، إن طال هذا الوضع القلق، أو أُسيء استخدام ورقة الكشف، فإن ذلك سيحوّل المجتمع إلى جماعة في قلق مستمر، وأقل قدرة على الثقة بالحياة الطبيعية.
وختاماً، فإن كشف حزب الله عن العملاء، مهما بدا إجراءً أمنياً طبيعياً في سياق المواجهة، لا يمكن عزله عن وظائفه السياسية والاجتماعية والنفسية.
اقرأ أيضاً: جنوب الجنوب: 20 ألف منزل اختفت… ما العمل؟