بعدما تجاوزت الضربات الأميركية الأهداف العسكرية إلى الجسور والأنفاق ومحطات الطاقة لليلة سابعة على التوالي، يتقدّم سؤال أعمق من “متى تعود طهران إلى التفاوض؟”: هل تحوّلت المعركة من الضغط لانتزاع تنازلات، إلى محاولة إسقاط قدرة النظام نفسه على الحكم؟
عندما تنطفئ الكهرباء فجأة في مدينة تضم ملايين السكان، لا تتوقف المصانع فقط، بل تتوقف مضخات المياه، وتنقطع شبكات الاتصالات، وتصبح أجهزة العناية الفائقة في المستشفيات رهينة لأنظمة الطاقة الاحتياطية التي لا يمكنها تعويض الانقطاع لفترات طويلة. لهذا السبب، لم تعد محطات الطاقة والجسور والموانئ مجرد منشآت خدمية عامة، بل تحوّلت في منتصف تموز 2026 إلى ما يشبه إعلاناً غير مباشر عن تبدّل طبيعة المعركة نفسها.
من ملاحقة الأهداف العسكرية إلى ضرب شرايين الدولة
فبعدما ركّزت الجولات الأولى من التصعيد على المنشآت النووية والعسكرية المباشرة، دخلت المواجهة مساءَ الجمعة مرحلة مختلفة نوعياً: ضربات استهدفت جسوراً وأنفاقاً على طرق داخلية بعيدة عن الساحل، وصلت إلى الأهواز وداراب ويزد وبوشهر، أي مناطق لا صلة مباشرة لها بالساحة العسكرية الساحلية التي تركزت عليها الضربات في الأسابيع الأولى. ولم تعد المؤسسة العسكرية الأميركية تُخفي هذا التوسع؛ إذ أعلنت القيادة المركزية صراحة أن ضرباتها طالت “مواقع مراقبة، وبنية تحتية للخدمات اللوجستية العسكرية، ومخازن أسلحة تحت الأرض، وقدرات بحرية” — توصيف يتجاوز بكثير حصر الاستهداف بالمنشآت النووية أو بمواقع الحرس الثوري وحدها.
لغة “الفرصة” لا لغة “الرسالة”
وما يرجّح أن الحسابات الأميركية تجاوزت منطق “الضغط من أجل طاولة المفاوضات” هو تبدّل الخطاب السياسي نفسه. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكتفِ بالتلويح بالقوة، بل خاطب الإيرانيين مباشرة بدعوتهم إلى “السيطرة على حكومتهم”، مؤطراً العمل العسكري الأميركي بوصفه فرصة لانتفاضة أوسع لا مجرد أداة ردع. وهذا تحوّل لافت في المفردات: فالردع التقليدي يخاطب القيادة السياسية لدفعها إلى تغيير حساباتها، بينما خطاب “استعادة السيطرة على الحكومة” يخاطب الداخل الإيراني نفسه، متجاوزاً القيادة إلى الجمهور، بما يوحي بأن الرهان الأميركي لم يعد على تليين موقف طهران التفاوضي بقدر ما هو رهان على تفكيك قدرتها على الاستمرار كسلطة حاكمة.
نظام أثبت مراراً عصيانه على التسويات
ويستند هذا التحليل إلى معطى تراكمي: فطهران التي جرّبت أكثر من مسار تفاوضي خلال العقدين الأخيرين، أظهرت مراراً قدرة على الالتفاف حول التنازلات بدل تقديمها، وما زالت مذكرة التفاهم الأخيرة الموقعة بين الطرفين “حبراً على ورق” من دون تنفيذ أي من بنودها حتى اللحظة. وهذا النمط المتكرر من العصيان على التسويات هو ما يفسّر، وفق هذه القراءة، لماذا انتقلت واشنطن من استراتيجية “الضغط لانتزاع تنازل” إلى ما يشبه استراتيجية “شلّ قدرة الدولة على العمل كمنظومة متكاملة” — بمعنى تجاوز محاولة تغيير القرار السياسي للنظام، إلى استهداف الأساس المادي الذي يقوم عليه استمراره أصلاً في الحكم.
البعد القانوني والأخلاقي للمواجهة
ويثير هذا التحول نقاشاً قانونياً متزايداً حول حدود استهداف المنشآت ذات الاستخدام المزدوج، إذ ترى جهات قانونية أنّ بعض هذه الأهداف قد تكتسب صفة عسكرية إذا أسهمت مباشرة في العمليات القتالية، بينما تحذر منظمات حقوقية من أنّ استهدافها قد يخلّف آثاراً واسعة على المدنيين، بما يفرض اختباراً دائماً لمبادئ التناسب والتمييز في القانون الدولي الإنساني.
القراءة الإيرانية: ردع لا مواجهة شاملة
في المقابل، تحرص طهران على بناء معادلة ردع مقابلة تقوم على مبدأ الرد بالمثل، ناقلة التهديد من القواعد العسكرية إلى المنشآت الاقتصادية والمدنية الحيوية للدول الحليفة لواشنطن في المنطقة، وقد استهدف الحرس الثوري بالفعل قواعد أميركية في الكويت ومركز عمليات في التنف بسوريا. وينقسم الخبراء المستقلون حول قدرة طهران على الصمود أمام استراتيجية “شلّ الدولة”: فمن الناحية العسكرية تمتلك إيران ترسانة مسيّرات وصواريخ قادرة على تخطي الدفاعات الجوية، لكن من الناحية الاستراتيجية، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان النظام قادراً أصلاً على إدارة دولة تُشلّ جسورها ومطاراتها وشبكات طاقتها ليلة بعد ليلة، أم أن هذا الاستنزاف بالذات هو ما يحسم المعركة قبل أي مفاوضات.
حرب وظائف الدولة، لا حرب حدود عسكرية
وهكذا، لم تعد محطات الكهرباء والجسور مجرّد أهداف في بنك العمليات، بل ما يبدو أنها تحوّلت إلى أداة لاختبار قدرة الدولة الإيرانية نفسها على الاستمرار كمنظومة حاكمة. وعند هذه اللحظة، لا يعود السؤال هو حجم الدمار الذي يمكن أن تلحقه القاذفات الأميركية، بل ما إذا كانت واشنطن قد حسمت فعلاً الانتقال من معركة “دفع النظام إلى التفاوض” إلى معركة “إسقاط قدرته على الحكم” — بعدما ثبت لها، على ما يبدو، أن هذا النظام عصيّ على التسويات والتنازلات مهما اشتد الضغط عليه.
اقرأ أيضاً: معركة الثقة: لماذا أصبح الجيش اللبناني الاختبار الأصعب في مفاوضات روما؟