معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

همسٌ في البيئة الشيعية: الحزب استباح بيوت الجنوب.. قبل إسرائيل

المساعدة البصرية: حجم الخط

تسود في الأوساط الشيعية ثقافة صمت حيال المباني المستهدفة إسرائيلياً، بذريعة حماية المعلومات من العدو. لكن هذا الصمت يحجب الحقيقة عن الناس أنفسهم، ويمنع مراجعة ضرورية لتصحيح الأخطاء وحماية المجتمع.

 

همسات بدل الأسئلة

تسود في الأوساط الشيعية، عند الحديث عن المباني والمزارع التي تعرضت للقصف الإسرائيلي خلال حربَي الإسناد والثأر، لغة خاصة تتخللها الإشارات والهمسات وفتل الرؤوس والعبارات المقتضبة. وكأن الجميع يعرف شيئاً، لكن الجميع يتجنب قوله بصوت مرتفع.

في الظاهر، يُبرَّر هذا السلوك بالرغبة في عدم تزويد العدو بالمعلومات، وعدم تقديم الذرائع لتبرير جرائمه. أما عملياً، فيبدو أن هذه الثقافة تؤدي أيضاً إلى نتيجة أخرى، وهي منع تداول وقائع يعرفها كثيرون داخل المجتمع المحلي، بحيث تبقى محصورة في الأحاديث الخاصة ولا تتحول إلى موضوع نقاش عام.

من بين هذه الوقائع ما يتداوله أبناء عدد من القرى عن أن قسماً من المباني التي استهدفتها إسرائيل لم يُختر بصورة عشوائية من وجهة نظرها العسكرية، بل لاعتقادها بوجود أهداف أو استخدامات عسكرية فيها أو بالقرب منها، سواء أصابت تقديراتها أم أخطأت. وهذا لا ينفي إطلاقاً الطبيعة الإجرامية للاعتداءات الإسرائيلية، ولا يعفي إسرائيل من مسؤوليتها عن سقوط المدنيين وتدمير الأحياء السكنية، لكنه يطرح سؤالاً مختلفاً يتعلق بكيفية إدارة الحرب داخل المجتمع نفسه.

بنك أهداف لا يحتاجه الصمت

لقد أثبتت إسرائيل، عبر سنوات طويلة، أنها تمتلك بنك أهداف واسعاً يعتمد على وسائل متنوعة من الرصد الاستخباري والجوي والإلكتروني والبشري. ولذلك فإن التزام الصمت داخل المجتمع بعد وقوع الضربات لا يحجب عنها معلومات كانت تمتلكها أساساً، بل يحجبها عن الناس أنفسهم، ويمنع إجراء مراجعة حقيقية للأسباب التي أدت إلى تدمير هذه المباني وتشريد أصحابها.

روايات محلية مسكوت عنها

وتتكرر هذه المفارقة في كثير من الروايات المحلية. فقد يعرف سكان قرية معينة أن مبنى ما استُخدم في مرحلة من المراحل لأغراض عسكرية أو لوجستية، ثم يُقصف لاحقاً، بينما يقتصر الخطاب العلني على وصف القصف بأنه استهداف لمؤسسة دينية أو مدنية، من دون السماح حتى بطرح السؤال حول ما إذا كان استخدام المبنى قد ساهم في تعريضه للخطر.

ولا يعني ذلك أبداً تبرير القصف أو إعفاء إسرائيل من المسؤولية القانونية والأخلاقية عن استهداف المناطق المأهولة، بل يعني فقط أن من حق المجتمع أن يناقش جميع العوامل التي ساهمت في وقوع الكارثة، بدلاً من الاكتفاء برواية واحدة لا تسمح بأي مساءلة داخلية.

أنماط الاستهداف بين الإنذار وغيابه

وخلال الحرب، استخدمت إسرائيل أنماطاً مختلفة من الاستهداف؛ فمنها ما تم من دون إنذار عبر الطائرات الحربية أو المسيّرات، ومنها ما سبقه إنذار بالإخلاء، خصوصاً عند استهداف مبانٍ كانت تُعتبر، وفق تقديراتها، مرتبطة بنشاط عسكري. وهذه الوقائع أصبحت جزءاً من تجربة الحرب نفسها، سواء اتفق الناس في تفسيرها أم اختلفوا.

لكن أخطر ما في ثقافة الصمت ليس إخفاء المعلومات عن العدو، بل إخفاؤها عن المجتمع. فحين تُمنع المراجعة، تُمنع معها إمكانية تصحيح الأخطاء.

من انضباط 2006 إلى شكاوى الإسناد

وفي حرب عام 2006 انتشرت روايات كثيرة عن انضباط مقاتلي حزب الله داخل المنازل التي اضطروا إلى استخدامها، وعن حرصهم على ممتلكات أصحابها، حتى إن بعض الروايات تحدثت عن تدوين ما استُهلك من مؤن وتعويض أصحابها لاحقاً. وقد ساهم ذلك في تعزيز صورة إيجابية لدى شريحة واسعة من الناس.

في المقابل، شهدت حرب الإسناد تداول روايات مختلفة في عدد من القرى عن استخدام بعض المنازل بصورة أثارت استياء أصحابها، وعن العبث بمحتويات بعضها أو تركها في حالة سيئة بعد الانسحاب منها، إضافة إلى الحديث عن فقدان بعض الممتلكات، من دون إمكان الجزم بهوية المسؤولين عن جميع تلك الحوادث. كما ترددت انتقادات لسلوكيات ميدانية، منها تحرك مجموعات من المقاتلين بصورة مكشوفة نسبياً، الأمر الذي قيل إنه ساهم في استهدافهم واستهداف الأبنية التي استخدمت لإقامتهم أو نشاطهم.

وتداول كثيرون أيضاً روايات عن استخدام مبانٍ سكنية لإطلاق المسيّرات أو لإقامة غرف عمليات أو لتخزين تجهيزات عسكرية، وهو ما أدى، بعد استهداف تلك المباني، إلى تدميرها وتشريد سكانها. كما أثيرت تساؤلات حول استخدام منازل لا تعود لعناصر الحزب، الأمر الذي خلّف حساسيات داخل بعض القرى، سواء صحت جميع هذه الروايات أم اقتصر بعضها على شهادات محلية تحتاج إلى توثيق.

أسئلة لا يجوز تحريمها

وهنا تبرز أسئلة لا يجوز اعتبارها محرمة:

من يملك حق استخدام منزل خاص من دون موافقة صاحبه إذا كان ذلك قد يعرضه وعائلته للخطر؟

ومن يتحمل المسؤولية إذا أدى استخدام مبنى سكني إلى تدميره بالكامل؟

ومن يقرر تحويل مبنى مدني إلى موقع ذي استخدام عسكري؟

وهل توجد ضوابط قانونية أو شرعية أو تنظيمية تحكم مثل هذه القرارات؟

فالقرآن الكريم نهى عن دخول بيوت الناس بغير إذن أصحابها، كما أن القوانين الحديثة تحمي الملكية الخاصة، ولا تسقط هذه المبادئ إلا ضمن شروط استثنائية واضحة، تبقى هي نفسها محل نقاش ومساءلة.

المراجعة حماية لا خيانة

قد يعتبر البعض أن هذه الأسئلة ثانوية أمام حرب وجودية، لكن التجارب تثبت أن المجتمعات لا تضعف بسبب النقد، بل بسبب غيابه. فالمراجعة ليست خدمة للعدو، بل حماية للمجتمع، لأنها تسمح باستخلاص الدروس، وتمنع تكرار الأخطاء، وتعيد الاعتبار لحقوق الناس الذين دفعوا أثمان الحرب.

إن المجتمعات التي تحترم نفسها لا تخشى الحقيقة، ولا تعتبر كل سؤال خيانة. فكما من حق أي تنظيم أن يفاخر بما يراه إنجازاً، من حق المواطنين أيضاً أن يسألوا عن الكلفة التي دفعوها، وعن المسؤوليات، وعن الضمانات التي تمنع تكرار المآسي. فهذه ليست دعوة إلى جلد الذات، ولا إلى تبرئة إسرائيل من جرائمها، وإنما دعوة إلى مصارحة ضرورية، لأن الحقيقة وحدها هي التي تؤسس لمستقبل أكثر أمناً وعدالة.

 

*نقلاً عن فيسبوك

 

إقرأ أيضاً: صناعة الخائن: كشف العملاء بين الأمن وإدارة القلق الجماعي