معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

ماذا فعل بن سلمان في فرنسا: من لبنان إلى فلسطين وEsports؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

زيارة بن سلمان إلى باريس رسّخت شراكة استراتيجية سعودية-فرنسية تلتقي مع منطق بناء الدولة في لبنان، لكن هل يغتنم لبنان هذه الفرصة أم يتركها تفلت من يديه؟

في مرحلة حساسة في تاريخ الشرق الأوسط، شكلت زيارة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى فرنسا ولقاءاته بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والإعلان عن شراكات في مجالات الدفاع والطاقة وغيرها، محطة بارزة على مستوى المنطقة. كما شكل تلاقي الرؤيتين، الفرنسية والسعودية، مع منطق بناء الدولة في لبنان وضمان سيادته، فرصة ثمينة ينبغي على لبنان الاستفادة منها.

تبرز الشراكة الفرنسية السعودية اليوم كعامل يحافظ على ما أمكن من توازن في منطقة معرضة لخطر الانفجار، حيث يجهد البلدان في احتواء التصعيد على مختلف الجبهات. وكانت تجلّت أهميّة هذه الشراكة في نجاحها بإصدار “إعلان نيويورك” في تموز 2025 بشأن حل الدولتين، والذي أطلق موجة اعترافات غربية غير مسبوقة بدولة فلسطين.

واستُقبل بن سلمان في قصر الإليزيه ليس فقط بصفته الحاكم الفعلي لأكبر قوة عربية في الخليج، بل أيضاً باعتباره محاوراً رئيسياً في أزمات المنطقة، وفق إعلام فرنسي، من إيران وأمن الخليج وصولا إلى غزة ولبنان. وأظهرت باريس حرصها على  بناء علاقة مميزة مع الرياض، التي “باتت لاعباً يصعب تجاوزه في أي ترتيبات سياسية أو أمنية كبرى في الشرق الأوسط”، أيضا وفق إعلام فرنسي.

رؤية تستشرف المستقبل

من جهتها أظهرت السعودية امتلاك رؤية متقدمة تصبو نحو المستقبل وتستشرفه، ترجمتها  عبر سعيها إلى تنويع شراكاتها الأمنية وقدراتها الدفاعية، وكذلك تنويع مصادر الطاقة ومجالات ومواقع استثماراتها، والاستفادة من الخبرات الفرنسية في مختلف المجالات.

صحيح أن زيارة بن سلمان الرسمية استمرت ليومين فقط، لكنها اتخمت بالملفات، وأطلقت اتفاقيات شراكة في نحو 13 قطاعاً استراتيجياً. وحظيت الزيارة باهتمام واسع في فرنسا، إذ حملت أهمية كبرى في ترسيخ التحالف بين البلدين الذين حقّقا إنجازهما التاريخي بما يتعلق بفلسطين رغم معارضة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخطوة الاعتراف بدولة فلسطينية.

القوة السعودية الناعمة

للمرة الأولى، ترأس ماكرون وبن سلمان اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجية الفرنسي-السعودي، الذي أُنشئ خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى الرياض في كانون الأول 2024. ويهدف المجلس إلى تحويل العلاقة بين البلدين في ملفات متفرقة إلى شراكة طويلة الأمد تشمل قطاعات استراتيجية متعددة.

الترفيه حضر بقوة في الزيارة، والتي توج يومها الأول بحضور بن سلمان وماكرون اختتام كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس، التي أقيمت للمرة الأولى خارج السعودية التي أطلقتها. ومن ضمن ما أفضت إليه الزيارة في مجال الترفيه، أو ما يصنف ضمن القوة الناعمة، الإعلان عن استثمار سعودي ضخم بقيمة ستة مليارات يورو لإنشاء ثلاثة متنزهات ترفيهية في فرنسا، يتوقع أن توفر نحو 22  ألف فرصة عمل.

وبعيدا عن القوة الناعمة، حضر الدفاع في صلب لقاءات بن سلمان، حيث تسعى الرياض وسط الأخطار التي تتهددها، إلى تطوير صناعاتها الدفاعية، وتنظر إلى فرنسا باعتبارها شريكاً مهماً في هذا المجال، إذ تملك صناعات عسكرية متطورة، وحضوراً عسكرياً في الشرق الأوسط.

هل يضيّع لبنان الفرصة؟

أما لبنان، البلد الذي يحظى باهتمام خاص ورعاية من السعودية وفرنسا، فقد حضر في قمة الزعيمين. وفي ظل المأساة التي يشهدها الجنوب، التقت الرياض وباريس عند أولوية تعزيز مؤسسات الدولة وتمكينها من ممارسة سلطتها، وحصر السلاح بيدها، بالتوازي مع انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية. ويندرج التنسيق حول لبنان ضمن المشهد الإقليمي الأوسع، في حين تصر طهران على إبقائه رهينة تطرحها على طاولة مفاوضاتها مع واشنطن.

ويبقى على لبنان أن يتلقف زخم هذه الشراكة السعودية–الفرنسية وتقاطع رؤيتيهما المنسجمة مع مصالحه وخطاب أركان الدولة، لتحقيق الأمن وترسيخ سلطة الدولة. إذ أمام لبنان فرصة الاستفادة من الثقل الدبلوماسي الفرنسي في أوروبا ومجلس الأمن ومن الثقل العربي الإقليمي وحتى الدولي للمملكة، ما يمنح تحركهما المشترك في لبنان قدرة أكبر على  التأثير وحشد الدعم حول الدولة اللبنانية ومؤسساتها، بدل تركه بين فكّي إيران وإسرائيل.

أما بديل ما يمكن أن تؤمّنه له هذه الشراكة من رافعة عربية ودولية في هذه المرحلة المصيرية، إبقاء مصير لبنان معلّقاً على خيارات إيران وحزب الله، الذي يبدو أنه يفضّل الاحتكام إلى ما يفرضه بنيامين نتنياهو في الميدان على الاستفادة من هذا الدعم وهذا التقارب.

إقرأ أيضاً: باريس تتزين لضيفها الكبير: السعودية تكتب فصلاً جديداً في تاريخها الدولي