معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

دمشق والحزب: تضارب مصالح وقناة تركية لإدارة العداء

المساعدة البصرية: حجم الخط

يغيب لبنان عن طاولةٍ يُبحث فيها أمنه. فبينما تتحدّث “رويترز” عن قناة سرّية بين دمشق والحزب برعاية تركية، تُطرح ملفات الحدود اللبنانية وتهريب السلاح من دون أيّ أثر للدولة اللبنانية، صاحبة الشرعية. ورغم نفي دمشق وأنقرة، يبقى السؤال قائماً: كيف تتمسك الدولة اللبنانية بقرار الحرب والسلم، فيما قد تُرسم قواعد الأمن على حدودها بين دولة جارة وحزب مسلّح، وبوساطة طرف ثالث؟

 

لم يكن أهم ما في تقرير “رويترز” عن لقاء سري بين مسؤولين سوريين وحزب الله في تركيا، إذا صحّ، هو اللقاء نفسه. الأهم أنّ وجود قناة كهذه أصبح متداولاً بعد سقوط بشار الأسد، رغم أن دمشق والحزب كانا حتى الأمس القريب على طرفي حرب.
في الأول من تشرين الأول، قالت “رويترز” إنّ ممثلين عن الحكومة السورية وحزب الله عقدوا في أيلول اجتماعاً في تركيا بوساطة أجهزة أمنية واستخباراتية تركية، استناداً إلى ستة مصادر، بينها مسؤولان سوريان ومسؤول أميركي ومسؤول أمني لبناني قريب من حزب الله. وبحسب الرواية، تركّز البحث على ملفات أمنية: سوريا تطلب وقف عمليات تهريب السلاح وتفكيك خلايا مرتبطة بالحزب على أراضيها، والحزب يريد ضمان ألا تتحول سوريا إلى قاعدة لعمل عسكري ضده داخل لبنان.
لكن دمشق وأنقرة نفتا حصول الاجتماع نفياً قاطعاً، فيما امتنع حزب الله عن التعليق. كما لم تقدم “رويترز” دليلاً وثائقياً علنياً، ولا تمكّنت من تحديد مكان الاجتماع أو مدته أو تأكيد حصول اجتماعات أخرى. لذلك تبقى رواية اللقاء غير مثبتة علناً، حتى لو كانت متعدّدة المصادر.
لكن السؤال الأكثر أهمية ربما ليس: هل حصل الاجتماع؟ بل: لماذا أصبح مثل هذا الاجتماع قابلاً للتصور أصلاً؟

سقوط الأسد قلب المعادلة

خلال سنوات الحرب السورية، كان حزب الله جزءاً أساسياً من منظومة حماية نظام الأسد، وكانت سوريا بالنسبة إليه عمقاً استراتيجياً وممرّاً للسلاح ومساحة حركة. سقوط الأسد في نهاية ٢٠٢٤ قلب هذه المعادلة بالكامل.
لم تعد دمشق حليفاً للحزب، بل أصبحت سلطة جديدة لها حساباتها الخاصة تجاه الحدود والسلاح وشبكات النفوذ. وفي المقابل، لم يعد حزب الله يتعامل مع سوريا باعتبارها مساحة آمنة خلف ظهره، بل كجبهة محتملة على الخاصرة الشرقية.
أي أنّ سقوط الأسد لم يجعل الطرفين أقرب سياسياً، لكنه جعلهما أكثر حاجة إلى معرفة حدود الآخر.
دمشق تريد ضبط حدودها ومنع أي نشاط مسلّح أو تهريب عبر أراضيها. وحزب الله يريد منع سوريا من التحول إلى منصة ضغط أو هجوم عليه. لذلك يمكن أن تنشأ مصلحة مشتركة محدودة جداً: منع الأسوأ، لا بناء تحالف جديد.

من المصالحة إلى إدارة العداء

إذا كانت رواية “رويترز” صحيحة، فلا شيء فيها يشير إلى مصالحة سياسية. الحديث يدور عن ترتيبات أمنية بين طرفين متخاصمين، وكل منهما يريد حماية مصالحه.
وهذا يفسّر أيضاً ما سبق التقرير من إشارات. ففي تموز، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إنّ دمشق منفتحة على لقاء الحزب، وفي آب قال الأمين العام للحزب نعيم قاسم إنّ الحزب لا يعارض لقاء القيادة السورية. أي أنّ فكرة التواصل لم تظهر فجأة مع تقرير “رويترز”، بل سبقتها إشارات علنية.
حتّى الرواية نفسها تقول إنّ التواصل عبر تركيا بدأ قبل نحو شهرين من اجتماع أيلول. لذلك، إن كان اللقاء قد حصل، فهو على الأرجح نتيجة مسار اتصالات وليس حادثة منفردة.

لماذا تركيا؟

اختيار تركيا كقناة ليس تفصيلاً ثانوياً. أنقرة ترتبط بعلاقة وثيقة بالقيادة السورية الجديدة، وفي الوقت نفسه تحاول تكريس نفسها لاعباً إقليمياً قادراً على فتح قنوات بين أطراف متخاصمة.
وبالنسبة إلى حزب الله، قد تكون تركيا قناة أقل حساسية من اتصال مباشر بدمشق. وبالنسبة إلى سوريا، يمكن أن يوفر الوسيط التركي مساحة للتواصل من دون الظهور وكأنها تعيد الاعتراف بدور الحزب الإقليمي.
لكن هذا لا يعني أنّ تركيا تملك القدرة على فرض تسوية. أقصى ما يمكن أن تفعله هو توفير قناة لإدارة الاحتكاك.

حزب الله بين ثلاث جبهات

المسألة بالنسبة إلى حزب الله لا تتعلّق بسوريا وحدها. الحزب يواجه منذ فترة إعادة صياغة لعلاقته بالبيئة الإقليمية والداخل اللبناني.
في الجنوب، هناك ضغط إسرائيلي مستمر. وفي الداخل اللبناني، أصبح احتكار الدولة للسلاح والقرارين العسكري والحربي أكثر حضوراً في النقاش الرسمي. وفي الشرق، ظهرت سوريا الجديدة كسلطة يمكن أن تضبط الحدود وتمنع مرور السلاح أو تتحرّك ضد شبكات مرتبطة بالحزب.
لذلك تصبح حماية الخاصرة الشرقية مصلحة أمنية مباشرة للحزب، حتى لو بقيت العلاقة مع دمشق عدائية.

إيران الغائبة عن الطاولة

أكثر ما يستحق التوقف في الرواية هو غياب إيران عن الاجتماع، رغم أنّ الحزب حليف أساسي لها.
بحسب “رويترز”، كانت طهران على علم بمشاركة الحزب، لكنها لم تكن طرفاً مباشراً في اللقاء، ونقلت المصادر أنّ استبعادها ساهم في عدم الوصول إلى اتفاق نهائي.
لكن لا ينبغي تحويل ذلك إلى استنتاج مبالغ فيه عن استقلال الحزب عن إيران. غياب إيران عن قناة أمنية محدّدة لا يعني انتهاء نفوذها. الأرجح أن تغير النظام في دمشق فرض قنوات جديدة لإدارة بعض الملفات، لا أنّ العلاقة بين الحزب وطهران تبدلت جذرياً.

من سرّب القصة؟

هنا تصبح القصة أكثر إثارة.
إذا كان الاجتماع قد حصل، فليس ضرورياً أن يكون تسريب الرواية دليلاً على انهيار القناة. قد يكون العكس تماماً: قد يكون طرف ما سمح بخروج جزء من المعلومات لإيصال رسالة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام النفي.
يمكن أن تكون جهة سورية أرادت اختبار رد فعل الحزب، أو تركيا أرادت تثبيت دورها، أو طرف أميركي أراد إظهار أنّ دمشق قادرة على إدارة ملف الحزب عبر قنوات غير عسكرية. ويمكن أيضاً أن يكون حزب الله نفسه قد استفاد من تسريب محدود لقياس موقف دمشق وأنقرة وواشنطن أو لتأكيد أنّ لديه قنوات إقليمية لا تزال مفتوحة.
لكن لا توجد أدلة تسمح بتحديد الجهة التي سربت القصة. ووجود مسؤول أميركي بين مصادر “رويترز” يثبت احتمال وجود معرفة أميركية، لكنه لا يثبت أن واشنطن كانت وراء التسريب.
ولا يمكن استبعاد فرضية أن تكون الرواية مبنية على معلومات مضللة أو لقاء جرى تفسيره بطريقة مبالغ فيها. لكن وجود تقارير سابقة عن قناة تركية وتصريحات سورية وحزبية سبقت رواية “رويترز” يجعل القصة أوسع من مجرد خبر منفرد.

وماذا عن لبنان الرسمي؟

أي تفاهم سوري مع حزب الله يتناول الحدود اللبنانية، أو عدم تدخل سوريا عسكرياً في لبنان، أو تهريب السلاح، لا يبقى شأناً سورياً حزبياً صرفاً. لبنان هو المعني مباشرة بأي ترتيبات تمس أراضيه وأمنه.
وهذا أكثر حساسية في ظل تأكيد الدولة اللبنانية أنّ قرار الحرب والسلم يجب أن يكون من اختصاصها، وفي ظل حظر الحكومة النشاطات العسكرية لحزب الله خلال التصعيد السابق.
لذلك يبرز سؤال سيادي واضح: إذا تفاهمت دمشق وحزب الله على قواعد تخص لبنان، فأين يقف لبنان الرسمي؟ وهل يمكن ترتيب مسائل تمس أمنه وحدوده بين دولتين أو طرفين من دون أن يكون للدولة اللبنانية موقع مباشر فيها؟
سواء حصل اجتماع تركيا أم لم يحصل، هناك حقيقة سياسية أوسع يصعب تجاهلها: العلاقة بين دمشق وحزب الله انتقلت من تحالف كان يحكمه نظام الأسد إلى علاقة بين طرفين متعارضين، لكن لكل منهما مصلحة في منع تحوّل العداء إلى حرب مفتوحة.
دمشق تريد حدوداً مضبوطة وسوريا خالية من الشبكات المسلحة الخارجة عن سلطتها. حزب الله يريد ألا تتحول سوريا إلى جبهة جديدة ضده. تركيا تريد موقع الوسيط، وواشنطن تريد من دمشق أن تكون جزءاً من احتواء الحزب. أما إيران فتريد الحفاظ على نفوذها في معادلة إقليمية تغيرت بعد سقوط الأسد.
أما لبنان، فيبقى الطرف الذي يثير سؤال السيادة الأصعب.

 

إقرأ أيضاً: عبد الغني طليس: سحر غدّار تشتم السيّد حسن