حمل رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى طرابلس رسالةً من نوعٍ مختلف، عبارةٌ واحدة قالها من معرض رشيد كرامي الدولي، لكنها اختصرت حقبةً كاملة دفعت المدينة ثمنها دمًا وإهمالًا.
“صندوق بريد أسود”: اعتراف رسمي بجرحٍ مفتوح
قال عون إنّ طرابلس، رغم تاريخها العريق ومكانتها، دفعت على مدى عقود ثمن إهمال الدولة و”عبث العصابات المقنّعة بالسياسة”، حتى تحوّلت إلى “صندوق بريد أسود لتبادل الرسائل المسمومة”. وأضاف: :أنا اليوم في طرابلس لأضع في صندوق بريدها رسالة تقول إنّ هذه المدينة هي التاريخ والعلم وقلب الشمال، كل الشمال”.
طيّ صفحة الوصاية والمحاور
لم يسمِّ الرئيس أي جهة، غير أنّ عبارته، تستحضر ذاكرةً ثقيلة تعرفها المدينة جيدًا: من مرحلة الوصاية السورية وما رافقها من قمعٍ واستهدافٍ لأبنائها، إلى جولات القتال المتكررة بين باب التبانة وجبل محسن، وصولًا إلى تفجيرَي مسجدَي التقوى والسلام عام 2013، في حقبةٍ كانت فيها طرابلس ساحةً مفتوحة لرسائل المحور الإيراني وحلفائه. ويُفهم من كلام عون، أنّ رئاسة الجمهورية تعلن نهاية تلك المرحلة بلا عودة، وأنّ المدينة لن تكون بعد اليوم منصّةً لتصفية حسابات الآخرين.
“سقفنا الدستور”: الدولة بدل الساحة
شدّد عون على أنّ طرابلس ليست مدينة على هامش الوطن، بل شريك أساسي في حاضره ومستقبله، مؤكدًا أنّ “لبنان لا ينهض بفريق وحده ولا بطائفة وحدها، بل ينهض حينما يلتقي أبناؤه على مشروع الدولة”. واعتبر أنّ السنوات الصعبة أثبتت أنّ الانقسام لا يحمي أحدًا، وأنّ إضعاف الدولة لا يمنح القوة لأي مكوّن، مضيفًا: “سقفنا هو الدستور والقانون والمؤسسات”.
الإنماء حقّ لا منّة
على الصعيد الإنمائي، رأى عون أنّ طرابلس تمتلك طاقات وكفاءات تؤهّلها لتكون شريكًا في نهضة لبنان، شرط توافر الرؤية والإدارة والاستثمارات. وأكد أنّ الإنماء حقّ للمواطنين وليس منّة من الدولة، وأنه لا يجوز لأي لبناني أن يشعر بأنه متروك، داعيًا إلى دولة تصل إلى جميع أبنائها وتؤمّن لهم العمل والتعليم والاستشفاء والأمن والعدالة والكرامة.
تحية للجيش ووعد للشمال
وجّه عون تحية إلى الجيش والأجهزة الأمنية، واصفًا عناصرها بأنهم “أبناؤكم الذين يضحّون من أجلكم في أصعب الظروف”. وختم بالتأكيد أنّ أبناء الشمال شركاء كاملون في بناء الدولة وصناعة القرار الوطني، معربًا عن أمله في أن تشكّل زيارته محطةً لتعزيز الثقة بين الدولة وأهالي المدينة.