يتركز الفارق بين نتنياهو وآيزنكوت في الداخل الإسرائيلي، من التجنيد إلى المحاسبة وعنف المستوطنين، بينما يضيق كلما اقتربنا من الحدود. فبالنسبة إلى لبنان وإيران، لا يعد فوز آيزنكوت بانقلاب في السياسة الإسرائيلية، بل بإدارة مختلفة للقوة نفسها.
توجّه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات تشريعية منذ هجوم السابع من أكتوبر، وأمامهم رجلان يتقاطعان في التشدد الأمني ويفترقان في كل شيء آخر تقريباً. فمن جهة، بنيامين نتنياهو، السياسي الذي يقود إسرائيل منذ سنوات طويلة. ومن جهة أخرى، غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق القادم حديثاً إلى السياسة. ويطرح آيزنكوت قطيعة مع قيادة نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف، لكن من دون قطيعة مع الرؤى الأمنية المتشددة التي ترسّخت منذ السابع من أكتوبر. فأين يفترق الرجلان فعلاً؟
1. الدولة الفلسطينية: رفض مشترك بلغتين
لا خلاف جوهرياً بين الرجلين هنا. فقد أكّد نتنياهو أنّ رفضه قيام دولة فلسطينية على أي أرض غرب نهر الأردن لم يتغير. أما آيزنكوت، فوصف صيغة الدولتين لشعبين بأنها خطأ، مؤكّداً أن على إسرائيل أن تحتفظ بمسؤولية أمنية عليا بين النهر والبحر. غير أنه يريد، وفق تقرير لجيروزاليم بوست، منح الفلسطينيين “أفقاً” سياسياً بعيد المدى والانفتاح أكثر على المبادرات الدولية لترميم علاقات إسرائيل بالغرب.
2. الاستيطان: نعم، ولكن…
توسّعت المستوطنات في عهد نتنياهو، ويضم ائتلافه أحزاباً تدعو إلى الضم. ولا يعارض آيزنكوت الاستيطان، لكنه يضع له شروطاً، إذ قال إنّ الاستيطان يجب أن يخدم المصالح الوطنية الإسرائيلية وأن يكون “قانونياً”، في إشارة توحي بمعارضته للبؤر المقامة من دون موافقة الدولة. كما عارض خطة حكومة نتنياهو للبناء في منطقة E1، التي تثير اعتراضاً غربياً لأنها تقسم الضفة الغربية.
3. عنف المستوطنين: “إرهاب يهودي” برعاية حكومية؟
في هذا الملف يظهر الفارق الأوضح. فقد وصف آيزنكوت ما يجري في الضفة الغربية بأنه إرهاب يهودي برعاية الحكومة الإسرائيلية، وتعهّد باستخدام “قبضة حديدية” ضد الخارجين على القانون، وبإعادة العمل بالاعتقال الإداري بحق المشتبه بهم اليهود. ويتهم آيزنكوت نتنياهو بتمكين بن غفير وسموتريتش من إحداث تغييرات فاقمت هذه الظاهرة، ويُرجّح أن يقيل رئيس الشاباك دافيد زيني ويعيّن بديلاً يعزّز الوحدة المكلفة بمكافحة هذا العنف.
4. غزة وحماس: شرط مسبق أم مقايضة تدريجية؟
يشترك الرجلان في هدف تفكيك حماس، ويختلفان على الطريقة. فقد رفض نتنياهو خطة مدعومة أميركياً تقضي بنزع سلاح حماس مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، مشترطاً نزع السلاح قبل أي انسحاب. في المقابل، تعهّد آيزنكوت بأنّ حماس لن تحكم قطاع غزة بعد 18 شهراً من توليه رئاسة الحكومة، وبتدمير جناحها العسكري. ويبدي مرونة أكبر في ربط نزع سلاح الحركة بإعادة الإعمار تدريجياً، بحيث تقابل كل خطوة جزئية في نزع السلاح خطوة جزئية في الإعمار.
5. تجنيد الحريديم: معركة على التحالفات
يعتمد بقاء نتنياهو في الحكم على أحزاب حريدية تطالب بإعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة. وعندما أقرّت لجنة برلمانية مشروعاً لتعليق اعتقال المتهربين الحريديم، اتهم آيزنكوت ائتلاف نتنياهو بالتمييز بين المواطنين في تحمّل عبء الخدمة العسكرية. وقال إن من يرفع شعار “لن نستسلم” هو أول من يستسلم: للمتهربين من التجنيد ولشركائه في الائتلاف ولحماس.
6. السابع من أكتوبر: من يحاسب من؟
بعد أكثر من ثلاث سنوات على الهجوم، لم يُجرَ أي تحقيق رسمي، إذ عرقل المستوى السياسي مراراً تشكيل لجنة تحقيق رسمية. في المقابل، تعهّد آيزنكوت بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر خلال أسبوعين من توليه رئاسة الحكومة، ووصف قول نتنياهو إنه لم يكن على علم باحتمال اجتياح حماس بأنه تصريح “مثير للشفقة”.
7. إيران وحزب الله: الصقر والصقر الآخر
يبقى هذا الملف الأكثر حساسية، فنتنياهو جعل إسقاط النظام الإيراني هدفاً معلناً، إذ قال أمام ضباط متخرجين إنّ توجيهه للجيش والموساد هو إسقاط النظام في إيران. وبحسب مصادر نقلتها فايننشال تايمز، أوعز للجيش مطلع الشهر بالاستعداد لضربات جديدة على إيران، لكن ترامب عارض ذلك.
أما آيزنكوت، فيتعهد بتدمير البرنامجين النووي والصاروخي لإيران ووكلائها، لكنه يرفض جعل تغيير النظام هدفاً للحرب. ويقترح على واشنطن إنشاء “منطقة قتل” حول المواقع التي يُعتقد أنّ اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لا يزال مدفوناً فيها، ويتهم نتنياهو بفبركة ادعاء امتلاك إيران قنبلة نووية لتخويف الجمهور.
وفي لبنان، يتوعّد نتنياهو بالقضاء على حزب الله، بينما تبدو الفجوة بينه وبين آيزنكوت أضيق. فالأخير يشكك في قدرة الجيش اللبناني على مواجهة الحزب، لكنه قد يقبل بشروط معينة بمنطقة أمنية بعمق ثمانية كيلومترات، ويريد إعادة فرنسا إلى دور مؤثر في الملف اللبناني إلى جانب الولايات المتحدة. ولا ينبغي أن يغيب عن القارئ اللبناني أن آيزنكوت يستحضر في حملته “عقيدة الضاحية” التي طبّقها خلال حرب 2006، والقائمة على الرد بقوة غير متناسبة.
إقرأ أيضاً: شاحنة “للجنوب”… فلماذا أُطفئت الكاميرات على طريق بيروت؟