أسطورة “الجناحين”: لماذا لا يوجد جناح سياسي للحزب؟

يتكرر في النقاشات اللبنانية والدولية حديثٌ عن “جناحين” لحزب الله: جناح عسكري وآخر سياسي. غير أنّ هذا التصنيف ليس سوى محاولة لغوية لتجميل بنية تنظيم لا يعمل في الواقع إلا كجهاز واحد.
التجربة اللبنانية، ولا سيما خلال الحرب الأخيرة، كشفت بوضوح أن الفصل بين ما هو عسكري وما هو سياسي في هذا التنظيم ليس توصيفاً دقيقاً، بل رواية سياسية تُستخدم لتبرير استمرار دوره داخل الدولة.
أسطورة الجناحين
الحديث عن جناحين لحزب الله، أحدهما عسكري والآخر سياسي، هو من أكبر السرديات التي جرى الترويج لها لتجميل صورة التنظيم في الداخل والخارج.
فالحزب، في بنيته الفعلية، لا يعمل كتنظيم مزدوج الأدوار، بل كجهاز واحد متكامل يخضع بالكامل لإمرة الحرس الثوري الإيراني. وما يُسمّى “الجناح السياسي” ليس كياناً مستقلاً عن البنية العسكرية، بل واجهة ضمن منظومة واحدة تتوزع أدوارها بين العمل الأمني والسياسي والإعلامي والاجتماعي.
بهذا المعنى، لا يمكن الحديث عن فصل مؤسساتي بين مستويات القرار داخل الحزب، لأن القرار في النهاية يصدر من مركز واحد، ويُترجم عبر شبكات متعددة تؤدي وظائف مختلفة داخل المجتمع والدولة.
مؤسسات اجتماعية أم منظومة نفوذ؟
الأمر نفسه ينطبق على ما يُقدَّم بوصفه مؤسسات تعليمية أو صحية أو اجتماعية تابعة للحزب.
فهذه المؤسسات، من الجمعيات إلى المدارس والمستشفيات، لا تعمل بوصفها قطاعات مستقلة عن التنظيم، بل تشكّل جزءاً من منظومة متكاملة تهدف إلى تثبيت نفوذ هذا الجهاز داخل الدولة والمجتمع. وهي تؤدي دوراً مزدوجاً: تقديم خدمات اجتماعية من جهة، وبناء شبكة ولاء سياسي وتنظيمي من جهة أخرى.
وبذلك تتحول البنية الاجتماعية إلى امتداد مباشر للبنية التنظيمية، بحيث يصعب الفصل بين العمل الخيري أو الخدماتي وبين المشروع السياسي والعسكري الذي يقوده الحزب.
يتكرر في النقاشات اللبنانية والدولية حديثٌ عن “جناحين” لحزب الله: جناح عسكري وآخر سياسي. غير أنّ هذا التصنيف ليس سوى محاولة لغوية لتجميل بنية تنظيم لا يعمل في الواقع إلا كجهاز واحد
الحرب تكشف البنية الحقيقية
الحرب الأخيرة كشفت هذه الحقيقة من دون أي التباس.
فخلال المواجهة، لم يعد ممكناً التمسك بالسردية التي تتحدث عن استقلالية القرار اللبناني داخل الحزب، بعدما ظهر بوضوح حجم الحضور المباشر لقيادة الحرس الثوري الإيراني على الأرض في لبنان لإدارة المعركة.
هذا المعطى وحده كافٍ لطرح السؤال الجوهري حول طبيعة البنية التنظيمية للحزب: هل نحن أمام تنظيم لبناني بقرار لبناني، أم أمام جهاز يعمل ضمن منظومة عسكرية إقليمية تقودها إيران؟
ما جرى خلال الحرب أعاد طرح هذا السؤال بحدة، وأضعف إلى حد كبير الرواية التي تتحدث عن استقلالية سياسية للحزب داخل الدولة اللبنانية.
نقاش يقوم على فرضية خاطئة
انطلاقاً من ذلك، يبدو النقاش الدائر حول “حل الجناح العسكري والإبقاء على الجناح السياسي” نقاشاً يقوم على فرضية خاطئة منذ البداية.
فالافتراض بوجود جناحين منفصلين يسمح نظرياً بفصل أحدهما عن الآخر، لكن الواقع التنظيمي للحزب لا يدعم هذه الفرضية. فالبنية واحدة، والقرار واحد، والوظيفة النهائية واحدة أيضاً.
لذلك، لا يمكن التعامل مع الحزب كما لو أنه تنظيم ذو مؤسستين مستقلتين، بل كجهاز متكامل يعمل ضمن منظومة إقليمية أوسع، حيث يأتي القرار السياسي والعسكري من مركز واحد خارج لبنان.
إقرأ أيضاً: مجلس التمديد: كي يوقّعوا “السلام”




