تصدع “الجدار الحديدي”: صدمة الوعي في مراكز الإيواء

لسنوات طويلة، اقتاتت بيئة حزب الله على وعود “النصر الإلهي” والأمان المطلق، حيث رُسمت صورة ذهنية مفادها أن الحزب قوة لا تُقهر تملك حلولاً لكل الأزمات. لكن اليوم، ومع تحول المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية، بدأت هذه الصورة بالاهتزاز. الصدمة ليست في وحشية الحرب فحسب، بل في اكتشاف النازح أن “البيئة الحاضنة” كانت مجرد وقود لمشروع عسكري ضخم، وأن التخطيط الاستراتيجي الذي تباهى به الحزب لعقود كان محصوراً في بناء الترسانة الصاروخية وحفر الأنفاق، بينما غاب الإنسان كلياً عن الحسابات، فلا خطة طوارئ تحميهم، ولا “خطة ب” (Plan B) تضمن لهم سقفاً يحفظ كرامتهم.
فجوة الثقة والبحث عن الإنسان
خلف جدران مراكز النزوح، بدأت “فجوة الثقة” تتسع بين القيادة والقاعدة. النازح الذي قدّم أولاده “شهداء” على طريق القدس، يجد نفسه اليوم متسولاً لفرشة أو حصة غذائية من جمعيات ودولة كان الحزب يزدريها. هذا الواقع القاسي ولد تساؤلات صامتة وأخرى صاخبة: هل كان الثمن يستحق؟ وهل يعقل أن تنفق المليارات على السلاح بينما يُترك الناس لمصيرهم في العراء؟ لقد بدأ الولاء المطلق يتآكل تحت ضغط الحاجة اليومية والإحساس بالخديعة، حيث أدرك الكثيرون أنهم كانوا جزءاً من منظومة تحمي “القضية” وتضحي بـ”الناس”، بدلاً من أن تكون القضية في خدمة الإنسان وأمنه واستقراره.
النازح الذي قدّم أولاده “شهداء” على طريق القدس، يجد نفسه اليوم متسولاً لفرشة أو حصة غذائية من جمعيات ودولة كان الحزب يزدريها
ثورة الوعي على السوشال ميديا
لم يعد الغضب حبيس الغرف المغلقة، بل انتقل بقوة إلى منصات التواصل الاجتماعي. بدأنا نشهد ظاهرة غير مسبوقة: أصوات من صلب البيئة، ومن عائلات كانت تُعد “خزاناً للمقاومة”، تخرج علانية لتعبر عن سخطها من قرار الحرب والتهجير. هذه الفيديوهات والمنشورات تعكس انهيار جدار الخوف؛ فالناس الذين فقدوا بيوتهم وأرزاقهم لم يعد لديهم ما يخسرونه. يعبر هؤلاء عن رفضهم لتحويل قراهم إلى ساحات صراع إقليمي، مطالبين بوقف هذه المحرقة. هذا التحول الرقمي يمثل “انتفاضة وعي” تؤكد أن القدسية التي أحيط بها قرار الحزب بدأت تتلاشى أمام واقع الدمار الشامل الذي لحق بحياتهم ومستقبل أطفالهم.
سياسة “تكميم الأفواه” والقمع الميداني
أمام هذا الغضب المتصاعد، لجأ الحزب إلى أدواته التقليدية في القمع والترهيب. رصدت الكاميرات والمقابلات الصحفية مواقف محرجة، حيث يتدخل عناصر أو مندوبون تابعون للحزب لإسكات النازحين فور بدئهم بالشكوى أو انتقاد خيارات الحزب. هذا القمع الميداني يمتد إلى التهديد المباشر لمن ينشر رأيه على السوشال ميديا، في محاولة يائسة للسيطرة على “السردية” وإظهار البيئة بأنها لا تزال صامدة ومبايعة. إن محاولات خنق صوت الوجع تثبت ضعف الحزب لا قوته؛ فالنظام الذي يخشى صرخة نازح جائع هو نظام يدرك تماماً أن شرعيته الشعبية بدأت تحتضر، وأن “الجدار الحديدي” الذي بناه بالخوف والوهم بدأ يتداعى من الداخل.
إقرأ أيضاً: صناعة “العدو الداخلي”: هروب الحزب من المسؤولية بالترهيب



