حين يحاول ترامب إعادة رسم العالم… حرب تتجاوز إيران

لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة إسرائيل، مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى نقطة مفصلية في إعادة تشكيل النظام العالمي. فهذه الحرب لا تُقرأ فقط بصواريخها وميادينها، بل بما تحمله من رسائل سياسية عميقة، تمتد من الخليج إلى القطب الشمالي.
عقليّة ترامب: فوضى منظمة وطموحات توسعية
في قلب هذه التحولات، يبرز دونالد ترامب بعقليته الصدامية، لا كمدير أزمة بل كصانع فوضى منظمة. تهديده بالسيطرة على غرينلاند، وحديثه عن التحكم بنفط العالم، ليسا زلة لسان، بل تعبير عن رؤية تقوم على فرض الهيمنة بالقوة، حتى لو كان الثمن كسر قواعد التحالفات التقليدية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي.
تصدع حلف “الناتو” واهتزاز الثقة الأوروبية
العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين تمر في مرحلة دقيقة؛ فالدول الأوروبية التي لطالما اعتبرت واشنطن الضامن الأول لأمنها، بدأت تشعر أن الشريك الأميركي لم يعد موثوقاً، بل قوة تسعى لفرض إملاءاتها حتى على أقرب حلفائها. التهديد بضم غرينلاند – التابعة للدنمارك، العضو في الناتو – أعاد طرح سؤال: هل ما زال الحلف قائماً على الشراكة أم على التبعية؟
لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة إسرائيل، مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى نقطة مفصلية في إعادة تشكيل النظام العالمي
الفرص الاستراتيجية لروسيا والصين
في المقابل، تراقب الصين وروسيا هذا التصدع بعين الفرصة. بكين توسع نفوذها بهدوء، فيما ترى موسكو فرصة للعودة لاعباً أساسياً في توازن القوى العالمي. كلاهما يدرك أن أي شرخ داخل الناتو مكسب استراتيجي، وأن اندفاع واشنطن نحو سياسات أحادية قد يسرّع في ولادة نظام متعدد الأقطاب.
الشرق الأوسط وإعادة رسم خرائط النفوذ
أما في الشرق الأوسط، فالحرب تعني إعادة رسم خرائط النفوذ. دخول إسرائيل في المواجهة يعكس تحالفاً عميقاً مع واشنطن، لكنه يوسع دائرة الصراع ويفتح الباب أمام احتمالات انفجار إقليمي قد تمتد شظاياه أبعد من المنطقة.
موازين القوى واحتمالات الهيمنة
السؤال الأهم: هل يستطيع ترامب فعلاً تغيير العالم لصالحه؟
الجواب معقد. نعم، يمكن للقوة الأميركية فرض وقائع جديدة، لكن فرض الهيمنة يولد قوى مضادة. فكل خطوة أحادية تدفع الصين وروسيا إلى مزيد من التنسيق، وتدفع أوروبا للتفكير بالتحرر التدريجي من العباءة الأميركية.
مستقبل النظام العالمي المفتوح على الاحتمالات
ما يجري اليوم ليس فقط حرباً على إيران، بل اختبار لمستقبل النظام العالمي: إما عالم تقوده قوة واحدة بمنطق الإملاء، أو عالم يتجه نحو توازنات جديدة أكثر تعقيداً.
في النهاية، قد ينجح ترامب في إشعال الحروب، لكنه لن يكون قادراً وحده على رسم نهاياتها. فالعالم لم يعد كما كان، ومن يظن أنه قادر على امتلاكه… قد يكتشف أنه أشعل ما لا يستطيع إطفاءه.
إقرأ أيضاً: تصدع “الجدار الحديدي”: صدمة الوعي في مراكز الإيواء




