لماذا يرفض النازحون المقيمون في منطقة “Biel“، أي الواجهة البحرية لوسط بيروت، الخروج منها؟ هل الأمر “تقني” فقط أم هو سياسي؟ ومن يحرّكهم؟ وما علاقة الحزب؟ وهل الأمر أبعد من السياسي ويصل إلى الأمني؟
عادت إلى الواجهة قضية النازحين المقيمين على الواجهة البحرية لوسط بيروت، أو ما يُعرف بمنطقة “Biel”، بعد قرار وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، زيارتهم ودعوتهم إلى الانتقال نحو مركز الإيواء الذي جهّزته الوزارة في المدينة الرياضية. إلا أن هذه الزيارة قوبلت برفض استباقي، إذ امتنع النازحون عن استقبالها أو التحاور معها للتوصل إلى تفاهم بشأن انتقالهم.
غضب من الدولة وتبريرات متشابهة
خرج عدد من هؤلاء النازحين ليقولوا أمام بعض وسائل الإعلام أنّهم غابون من الوزيرة ويريدون تسجيل موقف احتجاجي تجاه ما اعتبروه “تقصيرًا من الدولة بحقّهم”.
وبدت الآراء متشابهة إلى حدّ كبير، وكأنّها تردّد “تعميمًا حزبيًا”ز إذ برّر النازحون تمسّكهم بالبقاء في الـBiel بأنّ “المدينة الرياضية مكان مقيّد بقوانين صارمة، ولا يحترم حرية النازح”، معتبرين أنّه “أقرب إلى السجن منه إلى مركز إيواء”.
اتهامات بـ”نظرية مؤامرة”
بعض التصريحات ذهبت أبعد من ذلك، فتبنّى أصحابها “نظرية المؤامرة”، معتبرين أنّ الدولة اللبنانية تتآمر على النازحين من خلال نقلهم إلى منطقة “غير آمنة” ومعرّضة للقصف الإسرائيل “بسبب قربها من ضاحية بيروت الجنوبية”. رغم عدم وجود أي دليل يدعم هذا الادّعاء. لأنّ المدينة الرياضية واحدة من “البنى التحتية” المحمية من الولايات المتحدة الأميركية والرئيس دونالد ترامب.
بين المدينة الرياضية وخيم الواجهة البحرية
الثابت أنّه خلال الجولة التي قامت بها الوزيرة على مركز المدينة الرياضية، يظهر بوضوح الجهد الذي بذلته وزارة الشؤون لتأمين ظروف إنسانية مناسبة للنازحين. كما تبدو الفوارق كبيرة بين الإقامة في مركز إيواء مجهّز تديره جهة حكومية، ومحاط بإجراءات أمنية وفرق مختصة لتأمين احتياجات النازحين، وبين خيم مرقّعة ومدعّمة بالأخشاب في الواجهة البحرية، تفتقر لأدنى مقومات العيش، كالحمامات والخدمات الأساسية.
الخلفيات السياسية وراء الرفض
التمسّك بالبقاء في الساحات والشوارع يحتاج إلى كثير من التحليل أو الاستغراب. إذ إنّ التحريض والحسابات الحزبية والأمنية تُعدّ المحرّك الأساسي لهذا السلوك الرافض لأي نوع من الحلول.
فإقامة النازحين في مركز إيواء يُدار بالكامل من قبل الدولة اللبنانية ويخضع لسيطرة الجيش، ووضعهم تحت رقابة تهدف إلى حمايتهم وتنظيم شؤونهم، لا يناسب حزب الله الذي يصرّ على مواكبة النازحين داخل المراكز، والتحكم بظهورهم الإعلامي، وتنظيم مناسبات دينية ومحاضرات سياسية تعبويّة بينهم.
كما أن ذلك يحدّ من حركة العناصر الحزبية بين النازحين، خلافًا لما هو متاح في ساحات وسط بيروت وخيم الكورنيش البحري والشواطئ.
البعد الأمني: التحضير لـ”الحرب”؟
لكنّ الأهمّ هو أنّ “توزيع” بعض مخيّمات النازحين في أماكن “استراتيجية” في العاصمة بيروت، له بعد أمني بات واضحاً. خصوصاً مع ما بات معروفاً بوجود وحدة سيارات ووحدة دراجات نارية، تحوم حول مراكز الإيواء، وفيها عناصر مسلّحة، هدفها العلني “حماية النازحين” لكنّ هدفها الفعلي هو البقاء على أهبة الاستعداد لتلقّي أوامر بعمل أمني كبير في العاصمة، يشبه 7 أيّار.
وحدة الدراجات النارية هي أوّل ما يصل إلى ساحة أيّ قصف إسرائيلي في العاصمة ومحيطها، لسحب الجثث أو منع الإعلام من التصوير أو منع أجهزة الدولة من القيام بعملها الطبيعي.
ووحدة السيارات ومن في داخلها هدفها إبقاء الأيدي على الزناد تحسّباً لأيّ طارئ.
والضحية في الحالتين هم هؤلاء النازحين الذين أجبروا على ترك منازلهم للمرة الثانية. ولم تدفع هذه الآلام حزب الله إلى التفرغ لمعالجة أوضاعهم. بل إلى استخدام وجودهم في الطرقات كورقة ضغط على الدولة، وإلى أداة أمنية، ووسيلة رفض أي شكل من أشكال التنظيم والقانون، حتى ولو كان ذلك على حساب كرامة الناس وأمنهم الاجتماعي.