لورنس رايت يعيد قراءة كامب ديفيد من الداخل، ويكشف لماذا يمكن لاتفاق تاريخي أن ينجح دبلوماسياً ويظل ناقصاً سياسياً وأخلاقياً.
في كتابه “13 يوماً في سبتمبر”، الصادر حديثًا عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، لا يقدّم لورنس رايت سرداً كلاسيكياً لمفاوضات كامب ديفيد فحسب، بل يعيد بناء لحظة بدت فيها المنطقة وكأنها على وشك أن تغيّر مصيرها. لكنه لا يسقط في فخ تمجيد الاتفاق، بل يضعه داخل سياقه الحقيقي: إنجاز تاريخي كبير، نعم، لكنه إنجاز لم ينجُ من نقصه الأصلي، لأن فلسطين بقيت في صلب الأزمة، وإن بدت على هامش التسوية.
يمضي رايت في تتبع الأيام الثلاثة عشر، يوماً بيوم، كاشفاً كيف تحولت المفاوضات إلى اختبار نفسي وسياسي وديني في آن. فالرؤساء الثلاثة لم يدخلوا كامب ديفيد بوصفهم ممثلين لدول فقط، بل بوصفهم أيضاً حمَلة روايات كبرى عن الأمن والهوية والقدر. ومن هنا جاءت حدة الكتاب: إنه لا يشرح المواقف التفاوضية فقط، بل يشرح المخيال الذي أنتجها.
السادات يظهر في الكتاب باعتباره رجل المبادرة الجريئة، القادر على القفز فوق المألوف السياسي حتى لو دفع ثمناً عربياً باهظاً. وبيغن يبدو تجسيداً لصلابة عقائدية لا تنفصل عن تاريخ طويل من الخوف والذاكرة الجريحة. أما كارتر فيمثّل الوسيط المؤمن بأن الشجاعة الأخلاقية يمكن أن تفتح كوةً في جدار الاستحالة. هذه الثلاثية هي ما يمنح الكتاب توتره الإنساني ويخرجه من مجرد التأريخ الدبلوماسي.
غير أن القيمة الأهم للكتاب تكمن في إضاءته ما لم يُنجَز في كامب ديفيد. فبينما نجحت القمة في تثبيت مسار سلام مصري إسرائيلي، بقيت قضايا أساسية مثل القدس، والحكم الذاتي الفلسطيني، واللاجئين، ومآلات الاحتلال، أسيرة الصيغ المؤجلة والوعود غير المكتملة. ولهذا لا يقرأ القارئ الكتاب باعتباره خاتمة، بل باعتباره بدايةً لسلسلة طويلة من الأسئلة التي ما زالت المنطقة تدفع كلفتها حتى الآن.
وإذا كان الكتاب يعود إلى سنة 1978، فإن قراءته اليوم تبدو أشد إلحاحاً من أي وقت مضى. ذلك أن مشاهد غزة ولبنان، بما فيها من هدن هشة ومفاوضات تجري تحت ضغط السلاح، تعيد إنتاج المعضلة نفسها: كيف يمكن لتسوية جزئية أن توقف جولةً من الحرب من دون أن تنهي أسبابها؟ وكيف يمكن لاتفاق لا يعالج جذر المسألة الفلسطينية أن يتحول إلى سلام دائم؟
هنا تتجاوز أهمية «13 يوماً في سبتمبر» قيمته التاريخية. إنه كتاب يشرح لنا لماذا تبدو المنطقة محكومة دائماً بمفارقة قاسية: نجاح تكتيكي في احتواء العنف، يقابله فشل استراتيجي في بناء عدالة مستدامة. ولهذا فإن الكتاب لا ينتمي إلى الماضي وحده، بل إلى حاضر عربي ما يزال يختبر الحدود الفاصلة بين التسوية والتأجيل، وبين التهدئة والسلام.
في المحصلة، ينجح لورنس رايت في تقديم كتاب كثيف ومشغول بعناية، لا يحتفل بالسلام إلا بقدر ما يكشف هشاشته. ومن هذه الزاوية تحديداً، يصبح «13 يوماً في سبتمبر» واحداً من الكتب القليلة التي تساعد القارئ العربي على فهم أن المشكلة في الشرق الأوسط ليست غياب الاتفاقات فقط، بل غياب القدرة على تحويل الاتفاق إلى عدالة، والعدالة إلى استقرار، والاستقرار إلى سلام حقيقي.
إقرأ أيضاً: “وحدة الساحات” في اختبارها الثاني: سؤال الدَّم الشِّيعي