معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

ما الذي يكشفه لقاء الصين وروسيا عن مستقبل النظام الدولي؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

في منطقة اعتادت أن تكون ساحة تقاطع المصالح الدولية، لا يمكن النظر إلى أيّ تحوّل في بنية النظام العالمي بوصفه حدثًا بعيدًا أو معزولًا. فكلّ تغيير في موازين القوة الدولية ينعكس، بشكل أو بآخر، على واقع دول مثل لبنان، التي تجد نفسها دائمًا في قلب التفاعلات الإقليمية والدولية.

 

 

من هذا المنطلق، يكتسب اللقاء بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين أهمية تتجاوز إطاره الثنائي، ليطرح تساؤلات أعمق حول الاتجاه الذي يسلكه النظام الدولي، وما إذا كان العالم يشهد بالفعل بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها الأحادية لصالح توازنات أكثر تعقيدًا.

اللافت في هذا اللقاء أنّه لم يُطرح بوصفه تحالفًا تقليديًا، ولا حتّى مجرد تقارب مرحلي، بل يمكن قراءته ضمن سياق أوسع يعكس التلاقي الاستراتيجي بين الصين وروسيا. وهو تلاقي لا يقوم على رد فعل آني، بل على مسار ممتد من التنسيق في الرؤى والمصالح، تشكّل عبر سنوات من التفاعل في مجالات متعددة، من الاقتصاد إلى السياسة الدولية.

في الاقتصاد: تقليل الاعتماد على الدولار

لكنّ أهمية اللقاء لا تتوقف عند البعد النظري، بل تتجلى أيضًا في طبيعة الملفات التي جرى بحثها بين الجانبين، والتي تعكس بوضوح ملامح هذا التلاقي الاستراتيجي.

فعلى المستوى الاقتصادي، ركّزت المباحثات على تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة، في ظل توجه متزايد لدى البلدين نحو تقليل الاعتماد على الأنظمة المالية التقليدية التي تهيمن عليها قوى محدّدة. هذا التوجه لا يعبّر فقط عن خيار اقتصادي، بل يحمل في طياته أبعادًا سياسية تتعلق بإعادة توزيع أدوات النفوذ في النظام الدولي. كما أنّ توسيع استخدام العملات الوطنية في التبادلات التجارية يشير إلى محاولة تدريجية لبناء منظومات مالية أكثر استقلالية.

كذلك برزت قضايا البنية التحتية والتكامل الاقتصادي كأحد محاور النقاش، حيث يتقاطع الاهتمام الروسي مع المبادرات الصينية الهادفة إلى ربط الأسواق وتعزيز الترابط الإقليمي والدولي. هذا النوع من التعاون يعكس انتقالًا من نماذج الهيمنة الاقتصادية إلى نماذج الشراكة القائمة على المصالح المتبادلة.

عالم متعدّد الأقطاب

أما على المستوى السياسي، فقد حمل اللقاء رسائل واضحة تتعلق بمستقبل الحوكمة الدولية. فقد أبدى الجانبان دعمًا لفكرة عالم متعدّد الأقطاب، مع التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. هذه الطروحات لا تأتي في فراغ، بل تعكس حالة من التململ الدولي من بنية نظام عالمي لا تزال آليات اتخاذ القرار فيه محصورة في نطاق ضيق.

وفي هذا السياق، يمكن فهم التلاقي الاستراتيجي بين الصين وروسيا كجزء من مسار أوسع يسعى إلى كسر احتكار القرار الدولي، دون أن يعني ذلك بالضرورة استبدال هيمنة بهيمنة أخرى. فالفكرة الأساسية التي تبرز من هذا اللقاء هي الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق التوازن، ومن الإقصاء إلى الشراكة.

في الأمن: مساحة توازن دولي

أما في البعد الأمني، فقد عكست المباحثات إدراكًا مشتركًا لمحدودية المقاربات التقليدية القائمة على التحالفات العسكرية المغلقة. إذ بات واضحًا أن الأمن الذي يُبنى على حساب الآخرين لا يمكن أن يكون مستدامًا، وأنّ الاستقرار يتطلب مقاربات أكثر شمولًا تأخذ بعين الاعتبار مصالح مختلف الأطراف. كما أنّ رفض سياسات الإكراه والعقوبات الأحادية يشير إلى محاولة إعادة تعريف مفهوم الأمن الدولي ضمن إطار أكثر توازنًا.

ولا يمكن إغفال البعد الجيوسياسي الأوسع، حيث يأتي هذا اللقاء في ظل تصاعد التوترات الدولية وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يبدو أن التلاقي الاستراتيجي بين بكين وموسكو لا يهدف إلى خلق استقطاب حاد، بل إلى بناء مساحة من التوازن تسمح بإعادة صياغة العلاقات الدولية على أسس أكثر مرونة.

اقتصاديًا، يبدو أنّ العالم يتجه نحو إعادة صياغة أنماط التعاون، حيث تتقدم الشراكات القائمة على التنمية والبنية التحتية، مقابل تراجع نسبي لدور أدوات الضغط التقليدية. هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في الأدوات، بل في الفلسفة التي تحكم العلاقات الاقتصادية الدولية.

لبنان: تنويع العلاقات والشراكات

بالنسبة لدول مثل لبنان، فإنّ هذه التحولات تفتح تساؤلات مهمة حول كيفية التفاعل مع نظام دولي آخذ في التغير. فبدل الارتهان لمحور واحد، قد تتيح المرحلة المقبلة هامشًا أوسع لتنويع العلاقات وبناء شراكات متعددة، بما يخدم المصالح الوطنية ويخفف من كلفة الاصطفافات الحادة.

في النهاية، لا يمكن الجزم بأن العالم قد دخل بالفعل مرحلة ما بعد الهيمنة، لكن المؤكّد أنّ ملامح هذا التحول بدأت تتشكل بوضوح. وضمن هذا المسار، يبدو أنّ التلاقي الاستراتيجي بين الصين وروسيا يشكل أحد أبرز تعبيراته، ليس بوصفه نهاية لنظام قائم، بل بداية لنقاش أوسع حول شكل النظام الذي قد يتبلور في السنوات المقبلة.

 

إقرأ أيضاً: بدء نزع السلاح في العراق: الدولة تحاصر “اللا دولة”