في تقدّم إيجابي ضمن مسار تعزيز حقوق المرأة في لبنان، أصدر حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إعلامًا موجّهًا إلى المصارف العاملة في البلاد، دعا إلى تفعيل العمل بأحكام التعميم الرقم 305/2009 الصادر عن جمعية المصارف، الذي يسمح للمرأة المتزوّجة بفتح حسابات مصرفية لأولادها القاصرين… وهو أمر لم يكن مسموحاً قبل اليوم.
جاء القرار استجابةً لطلب من “الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية” برئاسة السيدة الأولى نعمت عون ونائبة الرئيس سحر بعاصيري سلام. ما أعاد تسليط الضوء على واقع التمييز الذي عانت منه النساء اللبنانيات طويلًا، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالإدارة المالية وشؤون الأسرة.
ورحّبت “الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية” بالقرار، معتبرة أنّه يشكّل “خطوة متقدّمة نحو تعزيز حقوق النساء والأمهات وترسيخ مبدأ المساواة بين الجنسين”. خصوصاً أنّ تفعيل هذا الحقّ يسهّل على الأمهات إدارة الشؤون اليومية المرتبطة بأطفالهن، ويعزّز دورهن شريكاتٍ فعليات في اتخاذ القرارات المالية الخاصة بالعائلة.
الأبعاد القانونية للقرار
غير أنّ أهمية القرار لا تقتصر على الجانب الإداري أو المصرفي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد قانونية وحقوقية أوسع.
رئيسة منظمة “ريفورم” المحامية دينا أبو زور كشفت أنّ “الخطوة يمكن النظر إليها من زاويتين متكاملتين: الأولى إيجابية تتعلق بتعزيز المساواة العملية بين الأبوين، والثانية نقدية ترتبط بحدود هذا التعميم مقارنة بالنصوص القانونية النافذة في لبنان”.
وأوضحت أبو زور أنّ تفعيل حقّ الأم المتزوّجة بفتح حسابات مصرفية لأولادها القاصرين ينسجم مع أحكام الدستور اللبناني، لا سيما المادة السابعة التي تنصّ على المساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات دون تمييز. كما ينسجم مع التزامات لبنان الدولية، خصوصًا اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”، رغم التحفظات اللبنانية على بعض بنودها المتعلقة بالأحوال الشخصية.
وأضافت أن هذا الإجراء يكرّس واقعًا منطقيًا يتمثل في أنّ الأم، التي تتولّى فعليًا جزءًا كبيرًا من المسؤوليات اليومية المتعلقة بالطفل، ينبغي ألا تُحرم من القيام بإجراءات مالية وإدارية أساسية تصب في مصلحة القاصر، خصوصًا عندما تكون هذه الإجراءات ذات طابع تنظيمي أو تسهيلي، لا تمسّ بأموال القاصر أو تعرضها للخطر.
لا تغيير في قواعة “الولاية المالية”
لكن، على الرغم من الطابع الإصلاحي للقرار، تشير القراءة القانونية إلى أنّ التعميم لا يغيّر فعليًا قواعد الولاية القانونية على أموال القاصرين، التي ما تزال تخضع لقوانين الأحوال الشخصية الخاصة بكل طائفة، حيث تُمنح الولاية الأساسية غالبًا للأب. وبالتالي، فإنّ القرار يخفّف من القيود المصرفية والإجرائية التي كانت بعض المصارف تفرضها على الأمهات بصورة عرفية أو تمييزية، من دون أن يرقى إلى تعديل البنية القانونية القائمة.
تبرز أهمية هذه الخطوة أيضًا في أنها تحدّ من السلطة التقديرية للمصارف في رفض طلبات الأمهات، وتؤسس لاجتهاد مصرفي أكثر انسجامًا مع مبدأ المساواة، بما يعكس تطورًا تدريجيًا في فهم الحقوق الاقتصادية للمرأة داخل الأسرة اللبنانية.
ومع ذلك، يؤكد حقوقيون أنّ هذا التطوّر يبقى غير مكتمل ما لم يترافق مع إصلاحات تشريعية أوسع تشمل قوانين الأحوال الشخصية والولاية على القاصرين، لأنّ أيّ تعميم مصرفي، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع تجاوز النصوص القانونية الأعلى مرتبة.
في المحصلة، القرار ربما لم ينشئ حقًا جديدًا بالكامل، لكنّه أعاد تفعيل حقّ لطالما أعاقته ممارسات مصرفية تقليدية، فاتحًا الباب أمام مقاربة أكثر عدالة لدور الأم في الحياة المالية للأسرة اللبنانية، ولو أنّ طريق المساواة الكاملة لا يزال طويلًا.
إقرأ أيضاً: القاضي محمود مكيّة: من أينَ لكَ هذا؟