معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

هكذا رفض الحزب “تحرير الجنوب”… وجعل نتانياهو “إله الحرب”

المساعدة البصرية: حجم الخط

بات واضحاً أنّ حزب الله رفض “تحرير الجنوب” بشكل مباشر، نزولاً عند قرار “الحرس الثوري” في إيران، الذي رفض اتفاق وقف إطلاق النار بعد “إعلان واشنطن” الصادر عن جولة التفاوض الأخيرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركا في واشنطن… وهو ما أفرح رئيس حكومة اليمين في إسرائيل بنيامين نتانياهو، الذي يريد الذهاب إلى الانتخابات كـ”إله الحرب”، كمقاتل، وليس كمفاوض أو صانع سلام…

هنا الرواية الكاملة لإصرار الحزب على استكمال تدمير النبطية وصور.

 

لعلّ “إعلان واشنطن” قبل 4 أسابيع تقريباً كانت النافذة الزمنية الأخيرة التي يمكن من خلالها وقف تدمير قرى جبل عامل، وبدء تحرير جزء من الأراضي المحتلّة، بسبب حربين أعلنهما حزب الله: حرب إسناد غزّة في 8 أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023، وحرب إسناد إيران في 3 آذار 2026.

فهذا الإعلان جاء بمكسبين للبنان:

  • وقف إطلاق النار بشكل كامل: ما يعني وقف التدمير والتجريف، ووضع حدّ لعملية تدمير جبل عامل والحدّ من الخسائر في قرى الجنوب، التي تتراكم يومياً.
  • بدء عملية التحرير: على طريقة “القضم البطيء. تماماً كما احتلّت إسرائيل الجنوب. وذلك من خلال منطقة تجريبية كانت تستهدف وقف التقدّم العسكري الإسرائيلي باتجاه النبطية. بأوامر مباشرة من الرئيس جوزاف عون، في محيط قلعة الشقيف وما حولها من بلدات، وعلى رأسها زوطر الشرقية وزوطر الغربية ويحمر، وهي مناطق تشرف على نهر الليطاني وسهل مرجعيون والنبطية ومساحات واسعة من جنوب لبنان، إضافة إلى تقاطعها مع قضاء بنت جبيل وصور. وتحويلها إلى منطقة تجريبية كان يعني خروج الجيش الإسرائيلي منها ودخول الجيش اللبناني ليفرض “سيطرة ميدانية”. ولو أمكن تنفيذ الاتفاق لكانت المنطقة أوّل عملية “تحرير بالتفاوض”. وعيّنة ميدانية لكيفية تحرير كامل الجنوب، والبدء بمشروع صغير لإعادة إعمار القرى التي تخرج منها إسرائيل، بمساعدة عربية.

مصادر الوفد المفاوض تقول إنّ هذين المكسبين كانا سيؤدّيان إلى إجبار إسرائيل على قبول وقف التدمير والتجريف، وبالتالي ضرب مشروع الإبادة الإسرائيلي، وإلى بدء عودة الأهالي، ووقف تزايد مأساة النزوح من قرى شمال الليطاني، وبدء تخفيف احتقان النزوح عن صيدا وبيروت…

الضغط الأميركي… وافتراق الأجندة مع نتانياهو

تقول مصادر مطّلعة على ملفّ التفاوض أنّ هذين المكسبين ما كانا ليتحقّقا لولا الاهتمام العربي والدولي الكبير بلبنان، وليس الاهتمام الأميركي فقط… حيث أنّ هذا الاهتمام سببه “استقلال القرار اللبناني”. وهي الورقة التي رفعها عون بوجه إسرائيل لضرب رواية أنّ لبنان “إيراني بالكامل”.

بالطبع ليس المكسبان نتيجة موازين قوى عسكرية أو سياسية. إذ لا يملك لبنان أيّ ورقة قوّة عسكرية في الميدان. وحزب الله ينتقل من هزيمة إلى هزيمة، في الجغرافيا والعسكر والسياسة…

أيضاً استطاع الوفد المفاوض أن ينتزع هذين المكسبين في لحظة بدء افتراق الأجندتين، بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونتانياهو. وكلّ بحسب أجندة انتخاباته. ترامب في الانتخابات النصفية التي يريد دخولها مع تحقيق “سلام” في لبنان أو إيران. ونتانياهو الذي يريد دخول انتخابات الكنيست كمقاتل لا كمفاوض. وكـ”إله حرب”.

بحسب مصادر في واشنطن لموقع “الدّولة”، كان الوفد الإسرائيلي المفاوض داخل أروقة الجلسات “كما يأتي إلى عزاء وليس إلى التفاوض”. فإسرائيل خضعت لضغوط أميركية ضخمة جدّاً من أجل تقديم هذين الورقتين على الطاولة.

الحرس يرفض.. الحزب يعاند.. الجنوب يُدمَّر

رفض الحرس الثوري الإيراني إعلان واشنطن بشكل وقح ومباشر. صدر بيان نشرته وكالة “مهر” الإيرانية، يعلن أنّ “شعوب المنطقة لن تترك لبنان بمفرده”، مع رفض أي اتفاق يُفرض على لبنان ويمنح إسرائيل مكاسب سياسية أو أمنية لم تستطع تحقيقها عسكريًا.

وليؤكّد الجانب الإيراني إصراره على استعادة ورقة لبنان من جوزاف عون وحكومة لبنان وسيمون كرم والوفد اللبناني المفاوض، قصفت إيران إسرائيل في 8 حزيران الجاري، ردّاً على ما قالت إنّه “قصف إسرائيل ضاحية بيروت الجنوبية”.

هكذا شهدنا جولة حربية بين إيران وإسرائيل، لجمها ترامب باتصال عاصف مع نتانياهو وجّه له خلاله إهانات وقال له: “أنت مجنون” و”لولاي لكنتَ في السجن”… في أوضح دليل على رغبة ترامب في إنهاء الحرب، واستكمالاً لجهوده وضغوطه على الوفد الإسرائيلي الذي كان في “عزاء” التفاوض مع لبنان، مجبراً لا بطل.

تدمير الضاحية والبقاع؟

بعد رفض الحرس الثوري “إعلان واشنطن”، وسقوط اقتراح “المنطقة التجريبية”، فرح نتانياهو وأمر جيشه باحتلال الزوطرين والتقدّم باتجاه النبطية. وبدأ مسلسل تدمير النبطية وصور.

ما لم يعلنه نتانياهو، وما يدور حوله همسٌ في أروقة واشنطن، أنّ نتانياهو يريد تدمير ما تبقّى من ضاحية بيروت الجنوبية، وتدمير البقاع، في الأشهر المقبلة. وهو مرتاحٌ لمسار رفض إيران فصل ورقة لبنان عن مفاوضاتها مع أميركا. لأنّه أمام ترامب وغضبه ورغبته في إنهاء الحروب، هذا يسهّل على “إله الحرب” أن يستكمل شهيّته المفتوحة لابتلاع كلّ المناطق المحسوبة على حزب الله.

ومن يتابعون الملفّ بين لبنان وواشنطن يجزمون بأنّ “أميركا وإسرائيل لن تقبلا، تحت أيّ ظرف، بأن تضمّ إيران إلى ملفّها في إسلام أباد ورقة لبنان”. بل إنّ هذا الإصرار الإيراني هو الذي جرف جبل عامل بعد وقف إطلاق النار بين أميركا وإسرائيل وبين إيران، أي وقف إطلاق النار في الخليج ضمن محاولة إيران الاستحواذ على قرار لبنان وورقته التفاوضية. وهو الذي دفع جيش إسرائيل إلى مشارف النبطية بعد رفض الحرس “إعلان واشنطن”.

تضييع فرصة “النقاط الخمس”

قبل حرب إسناد إيران في آذار 2026، كان الجيش اللبناني يسيطر على جنوب لبنان، باستثناء “النقاط الخمس” التي كانت تحت احتلال إسرائيلي. وكان الاتفاق هو تفكيك منشآت حزب الله جنوب الليطاني. وأن يمسك الجيش بما هو فوق الأرض وتحتها.

لكنّ حزب الله تحايل ورفض. فدخل الجيش الإسرائيلي وأنشأ معادية “حيث هناك نفق يدمّر الحيّ كلّه”، ضمن المشاهد التي وزّعها لتدمير القرى. بل ودمّر مدناً بكاملها.

إذاً أدخل نتانياهو جيشه لينفّذ ما عجز الجيش اللبناني عن تنفيذه، أو مُنِعَ من تنفيذه… واليوم نحن أمام معادلة جديدة أكثر قسوةً. فحين رفض الحرس الثوري “إعلان واشنطن”، صعّد الإسرائيلي بـ”لائحة 2300 اسم” يريد منعها من دخول جنوب الليطاني. وهو شرط وضعه الإسرائيلي بعد رفض الحزب والحرس “الإعلان”. ولم يكن موجوداً على طاولة واشنطن.

واليوم نقف أمام “الفرصة الأخيرة” لتجنّب ما تصفه مصادر بـ”الشرّ المستطير الذي يهدّد الوحدة الداخلية واستمرار الكيان والدولة”. المطلوب من كلّ الأطراف الداخلية هو عدم الرهان على مسارات جانبية يمكن أن تُفقد لبنان هامش المناورة الضيق الذي حقّقته الجولات الأربع من التفاوض.

الحزب والحرس رفضا “تحرير الجنوب” بالتفاوض. فحصل لبنان على “تدمير الجنوب” بالحرب. وحصل نتنياهو على ما أراده: حربٌ يدخل بها صناديق الاقتراع، لا طاولة مفاوضات يخرج منها بخسارة انتخابية.

وبين بنت جبيل التي رفع الوفد المفاوض اسمها رمزًا للعودة بعد المنطقة التجريبية الأولى، والنبطية وصور اللتين تتحوّلان إلى رمزٍ جديد للتدمير، لم يتغيّر شيء سوى العنوان: من “تحرير بالتفاوض” إلى “حرب اختيار” جديدة، يدفع ثمنها جبل عامل وحده.

والأكيد أنّ نتنياهو لم يكن وحده من أراد لهذه اللحظة أن تأتي حربًا لا تفاوضًا. فبرفضهما “إعلان واشنطن”، أعطاه الحزب والحرس الثوري بالضبط ما يحتاجه “إله الحرب” ليدخل صناديق الاقتراع: جنوبٌ يحترق، وخصمٌ يُقاتل لا يفاوض.

 

اقرأ أيضاً: حارة المسيحيين في صور… تحمي أهالي المدينة كلّهم