معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

لعنة الممرّات المائية: حرب إيران وكلفتها على الخليج والصين

المساعدة البصرية: حجم الخط

في لحظة دولية شديدة الحساسية، لم تعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران مجرد صراع تقليدي بين أطراف إقليمية، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لطبيعة النظام الدولي ومسارات القوة فيه. فالتصعيد في الخليج العربي، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، لا يمكن قراءته فقط في إطار الضغط على إيران، بل ضمن سياق أوسع يعيد رسم موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية على مستوى العالم.

 

الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم أنّ الحرب على إيران، في جوهرها، لا تستهدف إيران وحدها، بل تضرب في عمق مصالح لاعبين أساسيين، وعلى رأسهم دول الخليج التي تعتمد على استقرار الممرّات المائية، والصين التي يقوم اقتصادها على تدفق الطاقة والتجارة عبر هذه الشرايين، ويمرّ معظم النفط الآتي إليها من مضيق هرمز. وبذلك، تتحوّل المواجهة إلى أداة لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، أكثر منها مجرد نزاع إقليمي.

تصعيد يتجاوز إيران: جغرافيا الصراع ومصالحه

يشكّل التصعيد في مضيق هرمز والخليج العربي تهديدًا مباشرًا لأحد أهم شرايين الطاقة العالمية. ومع ارتباط هذا الممرّ الحيوي بتدفق نحو خُمس النفط العالمي، فإنّ أي اضطراب فيه ينعكس فورًا على الأسواق الدولية.

غير أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في احتمالات المواجهة العسكرية، بل في الطريقة التي تُدار بها الأزمة. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع هذه المنطقة بوصفها ساحة احتواء لإيران فقط، بل باعتبارها نقطة ارتكاز للتحكم في تدفقات الطاقة العالمية، وبالتالي التأثير في الاقتصادات المنافسة، وعلى رأسها الصين.

وفي هذا السياق، يصبح تعطيل الاستقرار في الخليج أداة ضغط مزدوجة: تضييق الخناق على إيران من جهة، وإضعاف الشركاء الاقتصاديين لها من جهة أخرى.

الخليج: من مركز طاقة إلى ساحة استنزاف

تُعدّ دول الخليج الأكثر عرضة لتداعيات هذا التصعيد، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، بل بسبب اعتماد اقتصاداتها على استقرار صادرات الطاقة.

فمع أي توتر في مضيق هرمز، تواجه هذه الدول:

  • انخفاضًا في القدرة على تصدير النفط والغاز
  • ارتفاعًا في تكاليف التأمين والنقل
  • تراجعًا في الاستثمارات الأجنبية
  • اضطرابًا في خطط التنمية طويلة الأمد

بذلك، تتحول الحرب — التي يُفترض أنّها موجهة ضد إيران — إلى عبء اقتصادي مباشر على دول الخليج نفسها. بل إن الوجود العسكري الأجنبي، الذي يُفترض أنه يوفر الحماية، يصبح في كثير من الأحيان عامل جذب للمخاطر، ويضع هذه الدول في قلب أي مواجهة محتملة.

الصين: الهدف غير المعلن

إذا كانت دول الخليج تدفع الكلفة المباشرة، فإنّ الصين تمثل الهدف الاستراتيجي الأعمق لهذه الأزمة.

فالصين تعتمد بشكل كبير على:

– النفط الآتي من الخليج

– الممرات البحرية في تجارتها مع أوروبا

– استقرار سلاسل الإمداد العالمية

ومع اضطراب باب المندب ومضيق هرمز، تجد بكين نفسها أمام تحديات متزايدة:

– ارتفاع تكاليف الطاقة

– زيادة زمن وكلفة الشحن

–  تراجع تنافسية صادراتها

–  تهديد مشاريعها الاستراتيجية، وعلى رأسها “الحزام والطريق”

من هنا، فإنّ ضرب استقرار هذه الممرّات لا يُضعف إيران بقدر ما يضغط على الاقتصاد الصيني، ويقوّض أحد أهم مصادر قوته العالمية.

اقتصاد الأزمات: من يخسر ومن يربح؟

في مقابل هذه الخسائر، تبرز مفارقة لافتة: فبينما تتضرر دول الخليج والصين، تحقّق الولايات المتحدة مكاسب ملموسة.

تشمل هذه المكاسب:

– ارتفاع صادرات النفط والغاز الأميركي

– زيادة الطلب الأوروبي على الطاقة الأميركية

– تحقيق أرباح كبيرة لشركات الطاقة

– تعزيز النفوذ العسكري في مناطق استراتيجية

كما أنّ ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة يضعف القدرة التنافسية للاقتصادات الآسيوية، ويدفع الأسواق نحو بدائل غربية، وهو ما يصب في مصلحة الاقتصاد الأميركي.

إدارة التوتر كاستراتيجية

ما نشهده اليوم لا يمكن فصله عن نمط أوسع من السياسات يقوم على إدارة التوترات بدل حلّها. فالحفاظ على مستوى معين من عدم الاستقرار يسمح بإعادة توجيه الأسواق، وتعزيز الاعتماد على القوة المهيمنة.

في هذا الإطار، تصبح الممرّات المائية — من باب المندب إلى مضيق هرمز — أدوات في لعبة النفوذ، وليست مجرد طرق للتجارة.

نظام دولي على مفترق طرق

في المقابل، تحاول قوى دولية أخرى الدفع نحو نموذج مختلف يقوم على التعددية والاستقرار. لكنّ هذا المسار يصطدم بواقع تنافسي حادّ، حيث تتحوّل الممرّات الحيوية إلى ساحات صراع مفتوحة.

وهنا تبرز الحاجة إلى دور دولي أكثر توازنًا، يضمن حياد هذه الممرات ويحميها من التوظيف السياسي والعسكري.

حرب بأبعاد دولية كثيرة

تكشف الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران حقيقة أبعد من ظاهرها العسكري: إنّها ليست مجرد مواجهة مع دولة بعينها، بل جزء من صراع أوسع على التحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي. وفي قلب هذا الصراع، تقف دول الخليج والصين كأطراف تتحمل الكلفة الأكبر، رغم أنّها ليست الهدف المعلن.

فاستهداف استقرار الممرّات المائية يعني عمليًا استهداف من يعتمد عليها، لا من يمرّ عبرها فقط. ومع استمرار هذا النهج، يزداد خطر انزلاق هذه الشرايين الحيوية إلى ساحات صراع دائم، يهدّد الأمن الاقتصادي العالمي.

من هنا، فإنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في إنهاء حرب بعينها، بل في إعادة صياغة قواعد إدارة هذه الممرّات، بما يضمن عدم استخدامها كأدوات ضغط وهيمنة، ويحافظ عليها كجسور للتواصل والتنمية.

وبدون ذلك، سيبقى العالم رهينة أزمات تُدار، لا تُحل، وتُستثمر، لا تُنهى.

 

إقرأ أيضاً: لماذا يترك العالم المعارضين الشيعة وحدهم؟