انتقلت واشنطن من استهداف أدوات حزب الله العسكرية والمالية إلى استهداف البيئة السياسية والمؤسساتية التي لوّح بها الحزب مهدّداً بإسقاط الحكومة ورئيس الحمهورية، طمعاً في إعادة إنتاج نفوذه داخل الدولة في مرحلة ما بعد هذه الحرب… وجاءت العقوبات على سليمان فرنجية إعلاناً أميركياً صريحاً بأنّ زمن التسويات اللبنانية القائمة على المناطق الرمادية يقترب من نهايته؟
لم تكن العقوبات الأخيرة التي فرضها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) على رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، ونائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي، مجرّد تدبير مالي جديد يُضاف إلى سجلّ الضغوط الأميركية على لبنان. فلو كانت المسألة محصورة بتجميد أصول أو ملاحقة حسابات، لاكتفت واشنطن بالشبكات المالية والواجهات الاقتصادية المرتبطة بالحزب. أمّا استهداف المرشح الرئاسي الأكثر التصاقاً بخيار “الثنائي الشيعي”، بالتزامن مع أحد أبرز مسؤولي حزب الله السياسيين، فيكشف أنّ القرار يتجاوز المال إلى السياسة، ويتجاوز الأشخاص إلى رسم قواعد مرحلة جديدة.
مقصلة متدرجة: مال وأمن وسياسة
لفهم العقوبات على فرنجية يجب الانتباه إلى المسار التصاعدي الذي سلكته الإدارة الأميركية خلال الأشهر الأخيرة:
- بدأت الضغوط على الشبكات المالية ورجال الأعمال المتهمين بخدمة البنية الاقتصادية للحزب.
- ثمّ انتقلت إلى المجال السياسي باستهداف نواب من حزب الله.
- قبل أن تتسع لتشمل مسؤولين بارزين في حركة أمل، بينهم أحمد أسعد بعلبكي وعلي أحمد صفاوي.
- لكنّ التطوّر الأكثر حساسية تمثّل في عبور العقوبات إلى قلب مؤسسات الدولة الرسمية، مع إدراج العقيد في مخابرات الجيش سامر حمادة والعميد في الأمن العام خطّار ناصر الدين على لائحة العقوبات… وعند هذا المنعطف تغيّرت طبيعة الرسالة الأميركية، فواشنطن لم تعد تميز بين السلاح وبيئته الحاضنة، ولا بين من يمارسه ومن يؤمن له الغطاء السياسي أو المؤسساتي.
- وجاءت العقوبات على فرنجية أخيراً وليس آخراً، لتشكّل الحلقة السياسية الأبرز في هذا المسار، والأكثر دلالة على مستوى الاستحقاق الرئاسي.
لماذا الآن؟
إذا كانت علاقة سليمان فرنجية بحزب الله معروفة منذ سنوات طويلة، فلماذا انتظرت واشنطن حتى اليوم؟
تكمن أهمية السؤال في أنّ العقوبات جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية ترتبط بترتيبات ما بعد الحرب ومحاولات إعادة رسم التوازنات في لبنان والمنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو أقرب إلى محاولة للتأثير في المستقبل منها إلى محاسبة الماضي.
فالولايات المتحدة لا تريد فقط معاقبة حلفاء حزب الله، بل منع أي تسوية سياسية مقبلة من إعادة إنتاج السلطة اللبنانية وفق المعادلات التي حكمت السنوات الماضية. بمعنى آخر، لا تعاقب واشنطن فرنجية لأنّه حليف للحزب فحسب، بل لأنها تقول للحزب إنّ هذا التحالف لن يسلك طريقه نحو قصر بعبدا في المدى المنظور.
تفكيك “الحليف المستقلّ” وإسقاط الرهان القديم
يحمل الجمع بين سليمان فرنجية ومحمود قماطي في القرار نفسه دلالة تتجاوز البعد القانوني للعقوبات. فالرجل الذي حاول طويلاً تقديم نفسه كحليف للمقاومة مع احتفاظه بهامش استقلالي وانفتاح خارجي، جُرّد أميركياً من هذا الهامش، وأُدرج عملياً ضمن المنظومة السياسية التي تدور في فلك حزب الله.
كذلك يصعب تجاهل أنّ العقوبات وجهت ضربة إضافية لفكرة التسويات التي طُرحت سابقاً حول الرئاسة اللبنانية، وفي مقدّمها الطرح الفرنسي القائم على مقايضة انتخاب فرنجية مقابل تسمية شخصية مقبولة دولياً لرئاسة الحكومة، ضمن ما عُرِف قبل عامين بصفقة “فرنجية – سلام”.
فسواء كانت هذه الصيغة لا تزال مطروحة أم لا، فإنّ إدراج فرنجية على لوائح العقوبات يجعل من المستحيل تسويق أي مشروع مشابه.
من باسيل إلى فرنجية: تضييق الخيارات الرئاسية
كما هناك مفارقة سياسية أخرى لافتة. فعلى مدى سنوات امتلك محور حزب الله مرشحين مسيحيين بارزين يمكن البناء عليهما في أي استحقاق رئاسي: جبران باسيل وسليمان فرنجية على رأسهم.
اليوم أصبح الاثنان تحت العقوبات الأميركية، وإن اختلفت الأسباب والمسارات القانونية. وهذه الحقيقة لا تمنع ترشّح أي منهما دستورياً، لكنها ترفع الكلفة السياسية والدبلوماسية والمالية لأي مشروع رئاسي يقوم عليهما، وتضيق هامش المناورة أمام القوى التي ما زالت تراهن على إعادة إنتاج التوازنات السابقة.
فمن يتحسس رقبته السياسية؟
تجاوزت شظايا العقوبات حدود بنشعي. والسؤال الذي يتردّد في الكواليس السياسية ليس: “من المُعاقَب”، بل: “من التالي؟”.
هذا القلق لا يقتصر على الرئيس نبيه بري أو وليد جنبلاط، بل يمتدّ إلى بعض الأوساط المحيطة بتيار المستقبل وإلى شريحة واسعة من القوى الوسطية والنواب المستقلين الذين بنوا أدوارهم طوال السنوات الماضية على التموضع في المنطقة الرمادية بين الدولة وحزب الله.
فالرسالة الأميركية تبدو واضحة: لم تعد الحصانة السياسية أو التاريخ العائلي أو الموقع الطائفي ضمانة كافية إذا وجدت أميركا أنّ هذا الطرف أو ذاك يساهم في توفير الغطاء أو الشرعية أو إعادة التعويم السياسي للمحور الذي يقوده حزب الله.
العهد الجديد وكلمة السرّ الدولية
يتقاطع هذا المشهد مع التحوّلات التي شهدها لبنان منذ انتخاب رئيس الجمهورية جوزيف عون وتشكيل حكومة نواف سلام. فقد ارتفع منسوب الخطاب الرسمي الداعي إلى حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية، في انسجام واضح مع المزاج الدولي والعربي الذي برز بعد الحرب.
ولا يمكن الجزم بوجود رابط مباشر بين هذه المواقف والعقوبات الأخيرة، لكنّ التزامن بينهما ليس تفصيلاً عابراً. فثمة من يرى أنّ السلطة الجديدة قرأت مبكراً “كلمة السرّ” الدولية، وأدركت أنّ البيئة الإقليمية والدولية لم تعد تتسامح مع الصيغ السابقة التي سمحت بالتعايش بين الدولة وسلاح حزب الله.
إسقاط شخص أم إعادة رسم اللعبة؟
تبقى الدلالة الأبعد في مكان آخر. فالعقوبات على فرنجية ليست رسالة إلى حليف بارز لحزب الله، بل إلى الطبقة السياسية اللبنانية بأكملها، ومفادها أنّ الرئاسة والحكومة والتوازنات الداخلية لم تعد شأناً لبنانياً صرفاً.
فالانطباع المتزايد داخل الأوساط السياسية أنّ واشنطن باتت تنظر إلى هوية السلطة اللبنانية المقبلة بوصفها جزءاً من منظومة أمنية وإقليمية أوسع ترتبط بأمن شرق المتوسط، واستقرار النظام المالي اللبناني، ومصالح حلفائها العرب والغربيين، وأمن إسرائيل. لذلك لم يعد السؤال من سيكون الرئيس المقبل فحسب، بل ما إذا كان هذا الرئيس ينسجم مع الاتجاهات التي تريدها القوى الدولية المؤثرة.
نتائج العقوبات: استسلام أم تصلّب؟
في المقابل، قد يكون خاطئاً الاعتقاد بأنّ العقوبات الأميركية تنتج بالضرورة استسلاماً سياسياً. فالتجارب السابقة أظهرت أنّ الضغوط الخارجية تدفع أحياناً نحو مزيد من التصلب. وقد يتعامل حزب الله وحركة أمل مع العقوبات على فرنجية باعتبارها استهدافاً مباشراً لمحورهما السياسي، ما يدفعهما إلى مزيد من التمسك به بدلاً من التخلي عنه.
وبعد فرنجية، من تعتبره واشنطن المحطة التالية في مسار بدأ بالشبكات المالية، وعبر البرلمان والأجهزة الأمنية، ووصل اليوم إلى حلفاء الحزب غير العسكريين وغير الماليين؟
اقرأ أيضاً: هجوم على الأمير يزيد والطائف: 3 أهداف وانقلابٌ واحدٌ