تبدّل خطاب نعيم قاسم من “إسرائيل خلصنا منها من زمان” و”نتانياهو ميّت رعبة”، إلى “استحالة كسر قوّة اسرائيل بالعسكر”… ليست كل التحوّلات الكبرى تحتاج إلى قرار أو بيان. أحياناً يكفي أن تتغيّر جملة واحدة كي يُعاد فتح ملف مرحلة كاملة. وفي السياسة، الجمل لا تُقال دائماً لتصف الواقع فقط… بل لتكشفه أيضاً.
في واحدة من ليالي المجلس العاشورائي المركزي قبل أيّام، وبعد أشهر من الحرب الأوسع والأكثر كلفة في لبنان منذ سنوات، قال الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم:
“إذا أنا بدي أقارن قوّة المقاومة مع قوة إسرائيل وأقول أنا بقوّة المقاومة بدي أغلب إسرائيل بكون ما عم إحكي صح… يستحيل بقوّة المقاومة نقدر إنّه نكسر قوّة إسرائيل عسكر بعسكر”.
جملة كهذه، لو قيلت في سياق أكاديمي، لمرّت كبداهة عسكرية لا جدال فيها. وحين يقولها معارض شيعي، يتّهمه ذباب نعيم قاسم الإلكتروني بالعمالة لإسرائيل والترويج لخطابها. لكنّها هنا تُقرأ سياسياً… لا عسكرياً فقط.
لأنّها تصطدم مباشرة بجملة أخرى سكنت الوعي السياسي في لبنان والمنطقة لعقود: “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”. وهي التي قالها الأمين العام السابق والراحل حسن نصر الله.
بين الجملتين لا تغيّر لغوي بسيط، بل تبدّل في طريقة النظر إلى القوة نفسها. مرّة كانت القوة تُقاس بإمكانية كسر التفوق الإسرائيلي. واليوم تُعرّف بأنها عدم القدرة على كسره أصلاً.
لكن لماذا يقول هذا الكلام الآن؟ ولماذا بعد وقف إطلاق النار تحديداً؟
خطاب الردع القديم وحدود المعادلة
في السنوات التي تلت العام 2000 ثم حرب 2006، تشكّل خطاب سياسي كامل قائم على فكرة أنّ حزب الله أرسى “توازن رعب” و”توازن ردع” مع إسرائيل. وأنّ التفوّق العسكري لا يكفي لحسم الصراع. كانت المعادلة تقول ببساطة: الإرادة يمكن أن تُربك القوة، والاستنزاف يمكن أن يعوّض الفارق.
لكن الحرب الأخيرة دمّرت الجبهة الأمامية، والبنية الخلفية أيضاً: القيادة، التنظيم، الاتصالات، والقدرة على إدارة الميدان تحت ضغط طويل ومكثف.
وفي الجنوب، لم يكن المشهد مجرد اشتباك متقطّع. بل ضغط ميداني متدرّج أعاد رسم الإيقاع العسكري على الأرض، وفرض إيقاعاً مختلفاً على القرار نفسه.
تعريف المكسب والخسارة
وقف إطلاق النار (غير الكامل والمتقطّع والهشّ) لم يأتِ بعد حسم ميداني كامل، ولا بعد استعادة شاملة لكل النقاط الساخنة. ومع ذلك، جرى تثبيته في لحظة كانت الحرب لا تزال مفتوحة عسكرياً.
هذا التحول وحده يكفي ليطرح سؤالاً سياسياً حساساً: هل تغيّر تعريف المكسب والخسارة؟
بعيداً عن الضجيج العسكري، هناك أيضاً طبقة إقليمية لا يمكن تجاهلها.
إيران، التي لطالما تعاملت مع الساحة اللبنانية كجزء من توازن إقليمي أوسع، بدت في هذه المرحلة أكثر حرصاً على منع توسّع المواجهة.
النقاش حول السلاح داخل لبنان
وفي الداخل اللبناني، وللمرّة الأولى مرة منذ سنوات، عادت المطالبات بحصر السلاح بيد الدولة إلى قلب النقاش السياسي، خصوصاً بعدما أقرّت الحكومة اللبنانية في آذار الماضي “حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله”. والدولة اللبنانية باتت أكثر حضوراً في تفاصيل التفاوض والترتيبات، ولو تدريجياً.
كل ذلك لا يعني أن شيئاً حُسم. ولا يعني أن مرحلة انتهت بالكامل. لكنّه يعني أن اللغة تغيّرت. وهنا تكمن أهمية خطاب نعيم قاسم.
فهو لم ينفِ الفجوة بين الطرفين، ولم يحاول تغطيتها. بل سمّاها بوضوح. ثم انتقل مباشرة إلى لغة أخرى: الإرادة، الصمود، والتضحية. وهذا الانتقال بالذات هو ما يستحق التوقف عنده.
المسافة بين الخطابين
بين “بيت العنكبوت” و”عسكر بعسكر”، تطوّر في التعبير. ومسافة في الزمن… وفي التجربة… وفي طريقة فهم القوة نفسها. وربما في السياسة، أخطر التحولات ليست تلك التي تُعلن. بل تلك التي تُفهم من جملة واحدة… في لحظة هادئة بعد حرب صاخبة.
إقرأ أيضاً: برّي يحاصر الفتنة ويبتعد عن الحزب: إزالة الركام السياسي… والإعمار