في ظلّ الظروف الصعبة والضغوط اليومية التي يتعرّض لها اللبنانيون، لم تعد العادات الغذائية مجرد تفاصيل يومية عابرة، بل أصبحت انعكاساً مباشراً لحالة التوتر والقلق المستمرّ. فبين قلّة النوم، والانشغال بالأحداث ومتابعة الأخبار اليومية المتسارعة، وبين الضغط النفسي المتواصل، تتبدّل خياراتنا الغذائية بشكل غير واعٍٍ، وغالباً نحو أنماط سريعة وغير صحية تنعكس على الطاقة والمزاج والصحة العامة. فكيف كيف تؤثر الأزمات على عاداتنا اليومية وعلى صحّتنا النفسية؟
عتاب شمس الدين
من فنجان القهوة الصباحي إلى المقرمشات في وقت متأخر من الليل، تتداخل العادات الغذائية مع الحالة النفسية، في مشهد يعكس تأثير الضغوط على الجسد والعقل معاً.
أخطاء غذائية شائعة تزيد التوتر
في حديث لموقع “الدولة”، تكشف أخصائية التغذية ميرنا الفتى أنّ بعض السلوكيات الغذائية اليومية قد تزيد من مستوى التوتر من دون أن ننتبه، خصوصاً في فترات الأزمات.
وتوضح أنّ الإفراط في تناول الكافيين، أو استهلاكه في أوقات متأخرة أثناء متابعة الأخبار السياسية، قد يؤثر سلباً على توازن الجسم. إذ يساهم في فقدان بعض المعادن الأساسية مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم، كما قد يزيد من الشعور بالتوتر ويؤثر على جودة النوم.
وتضيف أنّ الكافيين، رغم دوره في زيادة التركيز وتنشيط الدماغ، إلا أنّ استهلاكه في أوقات الراحة الطبيعية للجسم قد يربك توازن الهرمونات ويزيد من الضغط العصبي.
خطورة السكّر
أما السكر، فتشير الفتى إلى أنّ تناوله عند الشعور بالتوتر، مثل البسكويت مع القهوة/ قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالراحة، لكنه يؤدي لاحقاً إلى ارتفاع هرمون التوتر (الكورتيزول) والأنسولين، ما يعزّز الرغبة في تناول المزيد من السكريات ضمن حلقة مقفلة ومتكرّرة.
كما أنّ قلة النوم تلعب دوراً أساسياً في زيادة التوتر، إذ يؤدي ارتفاع الكورتيزول إلى اضطراب في الشهية والوزن، وتراجع في مستوى الطاقة والتركيز.
وتُعدّ الأطعمة المصنّعة والمقرمشات من أكثر الخيارات الغذائية شيوعاً خلال فترات الضغط، رغم تأثيرها السلبي على الصحة النفسية والجسدية، إلى جانب قلّة شرب المياه التي قد تتفاقم في هذه الظروف نتيجة نمط الحياة المتوتر والخروج المستمر من المنزل.
التغذية والمزاج: دور العناصر الأساسية
وتدعو الفتى إلى الانتباه للعناصر الغذائية الأساسية التي تلعب دوراً مباشراً في تحسين المزاج، وعلى رأسها الحديد. خصوصاً لدى النساء خلال فترة الدورة الشهرية. إذ إنّ نقص الحديد يرتبط بالتعب، ضعف الطاقة، تقلب المزاج، والدوخة، إضافة إلى تأثيره على إنتاج الهيموغلوبين المسؤول عن نقل الأوكسجين في الجسم.
وتوضح أنّ نقص الحديد قد يدفع الجسم إلى طلب الطاقة السريعة عبر السكريات، ما يفسر الرغبة المتزايدة في الحلويات خلال فترات التعب والتوتر.
كما يلعب المغنيسيوم دوراً مهماً في دعم الاسترخاء وتحسين المزاج وتنظيم ضغط الدم، ويمكن الحصول عليه من الخضار الورقية مثل السبانخ والملوخية، إضافة إلى المكسرات مثل اللوز وبذور اليقطين والكاكاو.
الأوميغا 3: صحّة الدماغ
أما فيتامين الأوميغا 3، فيُساهم في تحسين صحّة الدماغ والمزاج، ونقصه قد ينعكس في جفاف الجسم واضطراب الحالة النفسية. بينما يساعد البوتاسيوم الموجود في الموز والأفوكادو والبندورة في تنظيم ضغط الدم وتوازن الجسم.
وتحتاج عملية امتصاص المغنيسيوم بشكل فعّال إلى مجموعة فيتامينات B، خصوصاً فيتامين B12 الموجود في اللحوم، وB6 الموجود في الحبوب الكاملة مثل البرغل والقمح.
نمط حياة متوازن في زمن التوتر
وتختم الفتى بالتأكيد على أنّ التغذية السليمة تشكّل خطّ الدفاع الأوّل في مواجهة التوتر، بالإضافة إلى ضرورة شرب كميات كافية من المياه. ولا بدّ من تنظيم ساعات النوم، بما تيسّر، لنحافظ على انتظام الساعة البيولوجية للجسم.
وتُشير ختاماً إلى أنّ الاعتماد على البروتينات بشكل كافٍ يساهم أيضاً في دعم الطاقة وتقليل الرغبة في السكريات بشكل غير مباشر، محذّرة من الإفراط في تناول السكر كحلّ سريع للتعب أو الضغط النفسي.
في المحصّلة، لا تنفصل الصحة النفسية عن العادات الغذائية، بل تتداخل معها بشكل يومي، ما يجعل الوعي الغذائي جزءاً أساسياً من التعامل مع الضغوط التي يفرضها الواقع.
إقرأ أيضاً: ألبوماتُ طفولتنا التي ما زلتُ أبحثُ عنها