كلما اشتدت الأزمة اللبنانية، عاد السؤال المعتاد: أين المعارضة الشيعية؟ لكن السؤال الأخطر الذي لا يُطرح: من تركها وحيدة طوال هذه السنوات؟
من الشعار إلى الغياب
المعارضة لا تُولد في الفراغ ولا تعيش على الهتاف. هي تحتاج إلى بيئة سياسية تعترف بدورها وتحترم استقلاليتها، وتدرك أن التغيير الحقيقي لا يتحقق إلا بشراكة كل القوى المؤمنة بالدولة. لم تكن المعارضة الشيعية يومًا تفصيلاً هامشيًا في المشهد اللبناني؛ خروجها من قلب البيئة المغلقة هو ما منحها قيمتها الوطنية، إذ أثبتت أن الطائفة ليست كتلة واحدة صمّاء، وأن للدولة مؤيدين حتى داخل البيئات المحسومة سياسيًا بالقوة والسلاح.
ثمن الموقف… وحيدًا
هذه المعارضة دفعت أثمانًا باهظة: القتل، التخوين، النبذ الاجتماعي، والضغط السياسي المتواصل. تحمّلت وحدها كلفة موقفها، بينما اكتفى كثيرون بالتصفيق من بعيد. المفارقة الأكبر أن القوى التي رفعت شعار كسر الاحتكار السياسي لم تتعامل معها يومًا كمشروع حقيقي، بل أبقتها في موقع الشاهد الرمزي، لا الشريك الفعلي في صناعة القرار. المشكلة إذًا ليست في وجود معارضة شيعية موالية للدولة، بل في القائمين على الدولة أنفسهم الذين حصروا اعترافهم بمن لا يؤمن بسيادتها.
من 14 آذار إلى اليوم: الذهنية نفسها
بدأ هذا الخلل، بحسب كثيرين داخل المعارضة، منذ مرحلة قوى 14 آذار. فرغم شعارات السيادة والاستقلال، لم تتحول المعارضة الشيعية إلى أولوية استراتيجية داخل بيئتها، وبقي التعامل معها رهينة حسابات اللحظة، تُستبعد كلما اقتضت المصلحة مجاملة سلطة السلاح المهيمنة على الطائفة. تبدّلت التحالفات وتغيّرت الوجوه لاحقًا، لكن الذهنية بقيت كما هي: شعارات سيادية مرفوعة، من دون استثمار حقيقي في بناء حضور مستدام أو شبكة دعم توازي حجم الضغوط التي تواجهها هذه المعارضة يوميًا.
من “مزهرية” إلى شريك: أين المشروع الوطني؟
في كل استحقاق، كانت المعارضة تُستدعى لإثبات وجود التعددية، ثم تُعاد بعد انتهاء اللحظة إلى عزلتها المعتادة، وكأن المطلوب منها أن تكون دليلاً لا فاعلاً. هذه المقاربة لا تضر المعارضة وحدها، بل تضر فكرة الدولة ذاتها؛ فأي مشروع سيادي أو إصلاحي لا يمكن أن ينجح إذا بقي جزء أساسي من اللبنانيين خارج معادلته العملية. المعارضة الشيعية ليست “مزهرية” تُستحضر عند الحاجة، بل ركن أساسي في أي مشروع وطني يريد احتكار القرار والسلاح لصالح الدولة وحدها.
السؤال المعكوس
بناء معارضة حقيقية يحتاج إلى أكثر من بيانات وصلوات موسمية؛ يحتاج إلى شراكة سياسية فعلية، وحماية معنوية، وتخلٍّ نهائي عن ثقافة الاستخدام المؤقت. فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: أين المعارضة الشيعية؟ بل: أين كان من يسأل عنها حين تُركت وحيدة، وحين احتاجت إلى شراكة لا إلى خطابات إعجاب؟
إقرأ أيضاً: ولاية الفقيه: ثورة رفعت شعارات اليسار ثم أطاحته