معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

عن خطورة تحويل الدين إلى إيديولوجيا سياسية

المساعدة البصرية: حجم الخط

تجري، في كثيرٍ من الأحيان، أَدْلجة الدين من أجل حسن توظيفه سياسيًّا وسهولة استثماره في مشاريعَ خاصّة تخدم مصالح جماعاتٍ بعينها. وبدلًا من أن يكون الدين أفقًا روحيًّا وأخلاقيًّا مفتوحًا أمام الجميع، يتحوّل إلى جهاز تعبئةٍ وهويّةٍ مغلقة يُستخدم لتبرير السلطة والصراع والمصالح... فأين يكمن الخطر على “أهل” البيئة التي تتعرّض لهذا المشروع؟

 

 

حين تجري أَدْلجة الدين من أجل توظيفه سياسيًّا، لا يعود المطلوب من الإنسان أن يفكّر، بل أن ينقاد. ولا يعود الدين تجربةً وجوديّةً حرّة، بل يصبح أنظومةَ يقينٍ جاهزةً تُعطِّل العقل النقدي وتدفع الإنسان إلى خدمة مشروعٍ إيديولوجيّ يظنّه مقدّسًا.

بهذا المعنى، يغدو “الدين أفيونَ الشعوب”، لا لأنّه دين، بل لأنّه تحوّل إلى مجرد إيديولوجيا ترى نفسها أنّها الحق.

النجاح لا يُثبِت الحقيقة

بدلًا من أن يتحاور مع العقل الفلسفي النقدي الحرّ، يستدلّ المؤدلَج عادةً على “صوابيّة” إيديولوجيّته بنجاحها في الواقع. فإذا انتصرت سياسيًّا أو عسكريًّا أو حتّى جماهيريًّا، اعتبر ذلك دليلًا على حقيقتها وصحّتها. لكنّ النجاح التاريخي لا يُثبت شيئًا بالضرورة. فغالبًا ما يكون موقّتًا، وقد يقوم على الخوف أو العنف أو الدعاية أو على شروطٍ استثنائيّة تجمّعت في ذلك الأوان التاريخي.

يكفي أن نتذكّر التجربة النازيّة. فعندما كان أدولف هتلر يحقّق الانتصار تلو الانتصار، هل كانت النازيّة إيديولوجيا “صائبة”؟ وإذا كان النجاح معيار الحقيقة والصواب، فبمَ نصف النازية بعد هزيمتها الساحقة وانهيارها المدوي؟

وعليه، فإنّ الخلط بين القوّة والحقيقة، وبين النجاح والصواب الأخلاقي، من أخطر أوهام العقل الإيديولوجي.

الفساد بوصفه ثقافةً وإيديولوجيا

من السهل أن تنزلق الإيديولوجيا نحو الفساد، لأنّها لا تكتفي بتبرير الأفعال، بل تزيّنها أخلاقيًّا أيضًا. وهذا ما يجعل الفساد في بعض المجتمعات أعمق من مجرّد مصالحَ مادّيّةٍ أو منافعَ فرديّة.

ففي لبنان مثلًا، لا يمكن تفسير الفساد بالمصلحة وحدها. بل هناك ثقافةٌ للفساد وإيديولوجيا تُشرعنه وتمنحه غطاءً طائفيًّا أو حزبيًّا أو فئويًّا أو حتى دينيًّا. لذلك لا يشعر كثيرٌ من الفاسدين بالخجل أو الندم، لأنّهم لا يرون أنفسهم مذنبين أصلًا، إذ يعتبرون ما يفعلونه دفاعًا عن “الجماعة” أو “القضيّة”.

وعليه، فالإيديولوجيا لا تجعل الإنسان فاسدًا فقط، بل تجعله مقتنعًا ببراءته وهو يمارس الفساد. من هنا خطورة الإيديولوجيا إن لم يصاحبها النقد الفلسفي.

الإيديولوجيا وتبرير الإجرام

حين تتحوّل العقيدة إلى حقيقةٍ مطلقة مقدّسة، يصبح كلّ شيءٍ مباحًا باسمها، حتى القتل نفسُه. فالمؤدلَج لا يقتل فقط دفاعًا عن مصالحه، بل قد يقتل بلذّةٍ وطمأنينة ضمير، لأنّه يعتقد أنّه يقوم بعملٍ عظيمٍ وأخلاقي.

من هنا نفهم كيف ارتُكبت، عبر التاريخ، مجازر مروّعة باسم الدين أو القوميّة أو الثورة أو “الإنسان الجديد”. فالخطر الحقيقي لا يكمن في امتلاك الإنسان أفكارًا، بل في تحوّل هذه الأفكار إلى ممارسةٍ سياسيّة تتسِم بيقينٍ مغلقٍ فوق النقد.

لهذا لا تقلّ الإيديولوجيا خطرًا عن الأسلحة الفتّاكة، لأنّها قادرة على تحويل الإنسان العادي إلى أداة قتلٍ مطمئنّةٍ أخلاقيًّا.

لماذا لا يكفي العلم وحده؟

كثيرًا ما يُعوَّل على العلم لمواجهة التطرّف والإيديولوجيا، لكنّ العلم ليس بطبيعته جهازًا نقديًّا أخلاقيًّا. فوظيفة العلم تفسير الظواهر والسيطرة التقنيّة عليها، لا مساءلة المعاني والقيم والغايات.

لهذا استطاع العلماء أنفسهم أن يتحوّلوا، مرارًا، إلى أدواتٍ في خدمة السلطان أو الحرب أو الأنظمة الشموليّة. فالعلم قادرٌ على إنتاج التكنولوجيا، لكنّه غير قادرٍ وحدَه على تحديد كيف ينبغي استعمالها.

هنا يظهر دور الفلسفة بوصفها تفكيرًا نقديًّا حرًّا يزعزع اليقين ويكشف الإيديولوجيا حين تتخفّى داخل الدين أو السياسة أو حتى داخل العلم نفسه.

حين تتحوّل الفلسفة إلى “علم كلام”

غير أنّ المشكلة لا تكمن فقط في غياب الفلسفة، بل أيضًا في تحويلها إلى مجرّد أداة تبريرٍ للعقائد المسبقة. فكثيرون يدخلون حقل الفلسفة وهم يظنّون أنّها مجرد وسيلةٍ للدفاع عمّا يؤمنون به أصلًا، لا مغامرةٌ نقديّة قد تغيّر قناعاتهم نفسها.

هكذا تتحوّل الفلسفة إلى شكلٍ جديد من علم الكلام، ويصبح التفلسف مجرّد تسويغٍ للموروث أو للعقيدة أو للهويّة الجماعاتيّة.

لذلك يخرج بعضهم من قسم الفلسفة كما دخله تمامًا، من دون أن تهتزّ يقينيّاته أو تتغيّر نظرته إلى العالم قيدَ أنملة.

التفلسف بوصفه مقاومةً للتجمّد

من حقّ الإنسان أن يؤمن بما يشاء، حتى بناءً على حدوسٍ شخصيّة لا على براهين قاطعة. لكن لا يحقّ له أن يدخل حقل الفلسفة بوصفه مالكًا الحقيقة النهائية.

فالفلسفة ليست يقينًا مغلقًا، بل حركةُ سؤالٍ دائمة. وكلّ أنظومةٍ فلسفيّة، مهما بلغت عظمتها، تبقى مرتبطةً بمشكلات عصرها وأسئلته. لذلك تنهار الأنظومات الفلسفيّة الكبرى أو تتراجع حين تتغيّر الأسئلة التاريخيّة.

ما نعانيه اليوم ليس نتيجة الإفراط في التفلسف، بل نتيجة توقّفه وندرته. فحين يموت السؤال، تتحوّل الأفكار إلى أصنامٍ ذهنيّة، وتغدو اللغة تكرارًا خشبيًّا لأجوبةٍ قديمة عن أسئلةٍ لم تعد أسئلة عصرنا. وهنا تبدأ الإيديولوجيا بابتلاع العقل.