بغضّ النظر عن مسار التفاوض اللبناني – الإسرائيلي، وعن علاقته أو انفصاله عن مسار التفاوض الإيراني – الأميركي، يبقى سؤال الدولة نفسها مطروحاً بإلحاح متصاعد: أين دور القوانين اللبنانية؟ وأين دور المؤسسات التي وُجدت أصلاً لحماية الدستور وتطبيقه؟
أسئلة مشروعة… وإجابات غائبة
يحقّ للبنانيين أن يطرحوا جملةً من التساؤلات المشروعة على رجال القانون والعارفين بالدستور:
لماذا لم تستدعِ المؤسسات القضائية اللبنانية حتى اليوم أيَّ شخصية سياسية رسمية تابعة لحزب الله، ولو على سبيل المساءلة، بسبب تصريحات علنية رافضة لمقررات الدولة أو متعارضة معها؟ ولماذا لم يُستدعَ أيُّ مسؤول أمني أو إداري رسمي لمحاسبته على تقصير أو مخالفة، في وقت تتبنّى فيه الدولة خططاً معلنة تتعلق بحصر السلاح وتنفيذ القرارات؟
مواقع التواصل: غابات ضدّ القانون
وهل من الطبيعي أن تتحوّل الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للدعوة إلى مخالفة القوانين وتحدّي قرارات الدولة، فيما يُلاحَق آخرون قضائياً أو اجتماعياً بسبب تعرّضهم لرموز دينية أو حزبية؟ أليست العدالة واحدة على الجميع بحكم تعريفها؟ وأليست الاستنسابية في تطبيق القانون شكلاً صريحاً من أشكال إضعاف هيبة الدولة ذاتها؟
كيف يمكن توقيف علي برو، وترك وفيق صفا طليقاً، بالمقاييس ذاتها والمواد القانونية عينها؟
ما بعد الحرب: أسئلة لا تقلّ خطورة
حتى مع افتراض توقف الحرب وتأمين الأموال اللازمة لإعادة الإعمار وتعويض الخسائر، تبرز أسئلة سياسية لا تقلّ أهميةً عن الأسئلة الميدانية:
هل سيستمر المشهد اللبناني في التعامل مع قوى تمتلك سلاحاً خارج إطار الدولة كما لو أنها مجرد أحزاب سياسية عادية؟ وهل يمكن الفصل بين الدور الحزبي والدور العسكري في الحياة العامة، من دون نقاش وطني وقانوني جدي ومعمّق؟
وهل سيبقى محمد رعد، على سبيل المثال، مرشحاً طبيعياً على رأس كتلة قوامها الأساسي ما وصفه رئيس الحكومة في إطلالته الأولى، عقب إطلاق الصواريخ الستة، بأنه “خارج عن القانون”؟
ثم ماذا عن مقدمة الدستور اللبناني التي تنصّ بوضوح على أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه؟ كيف تُترجَم هذه العبارة عملياً حين تتقدّم العقائد العابرة للحدود والولاءات الخارجية على مفهوم الدولة الوطنية الواحدة؟
خطابٌ بلا مسار مؤسساتي
شهد اللبنانيون خلال السنوات الماضية مواقف سياسية رسمية وصفت وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة بأنه مخالف لمنطق الدولة والقانون. غير أن السؤال الذي ظلّ معلّقاً هو: إذا كان هذا التوصيف صحيحاً، فلماذا لم تستكمل نتائجه على المستوى السياسي أو القضائي؟ ولماذا بقي الخلاف محصوراً في إطار الخطابات والمواقف، من دون أن يتحوّل إلى مسار مؤسساتي واضح المعالم؟
ليست القضية هنا قضية خصومة مع حزب أو بيئة أو طائفة، بل هي قضية دولة بامتياز. فالدولة لا تُقاس بقوة بياناتها ولا ببلاغة مسؤوليها، بل بقدرتها على تطبيق القوانين على الجميع من دون استثناء. وحين يصبح تنفيذ القانون انتقائياً، تتحوّل الدولة تدريجياً إلى طرف في النزاع، بدلاً من أن تكون المرجعية التي يحتكم إليها الجميع.
المقاومة الحقيقية تبدأ بالقانون
لهذا كله، فإن السؤال الحقيقي ليس إن كانت الدولة تقاوم أم لا، بل كيف تقاوم: هل تقاوم بالبيانات والمواقف؟ أم تقاوم عبر القضاء والمؤسسات والدستور؟
لأن الدولة التي لا تُدافع عن قوانينها بنفسها تترك المجال مفتوحاً أمام قوى الأمر الواقع لتكتب قوانينها الخاصة. وعندئذٍ يصبح الدستور نصاً جميلاً يُقرأ، لا عقداً وطنياً يُطبَّق.
إقرأ أيضاً: الحزب يقنّن “مقاطعة إسرائيل”: تطبيع سياسي وإعلامي… وعداء علمي