معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

العراق: نموذج “حصر السلاح” ومكافحة الفساد للنهوض الاقتصادي

المساعدة البصرية: حجم الخط

بينما تتصدّر حملة “الفجر” ضدّ الفساد المشهد السياسي العراقي، تخوض حكومة علي الزيدي في الخفاء معركة اقتصادية موازية لا تقلّ خطورة عن ملف السلاح نفسه.

 

تكشف بيانات وزارة المالية العراقية أنّ الموازنة العامة تعتمد على النفط بنسبة تتراوح بين 91% و93%، في وقت تبلغ المديونية العامة نحو 208 تريليونات دينار عراقي.

هذا الاختلال البنيوي هو الخلفية الحقيقية التي تُقرأ من خلالها كل خطوة اقتصادية تتخذها حكومة الزيدي، بدءاً من إدارتها لأزمة الملاحة في مضيق هرمز عبر خصم الكمبيالات والاستدانة من البنك المركزي، وصولاً إلى مطالبة بغداد بآلية أكثر إنصافاً لحصص العراق داخل “أوبك” تأخذ بالحسبان كثافته السكانية البالغة نحو 47 مليون نسمة، وحجم الدمار في بنيته التحتية الذي تُقدّر كلفة إعادة إعماره بنحو 400 مليار دولار.

تجفيف الدولار: إجراء أميركي بعنوان اقتصادي وهدف أمني

في مسار مواز، قيّدت واشنطن شحنات “الدولار الكاش” إلى العراق، في خطوة قرأتها تحليلات عراقية على أنّها إجراء احترازي يستهدف تجفيف قنوات تهريب العملة الصعبة التي يستفيد منها الحرس الثوري الإيراني عبر شبكاته في العراق وسوريا.

الأزمة عولجت إدارياً لاحقاً بعد تدقيق إضافي ولقاء جمع المبعوث الأميركي توم بارّاك بمسؤولين عراقيين لتسهيل عمل الشركات الأميركية العاملة في السوق المحلي. وقد حمل اتصال لاحق بين رئيس الوزراء علي الزيدي والرئيس الأميركي دونالد ترامب تشديداً واضحاً على أن تجفيف منابع تمويل الفصائل المسلحة شرط أساسي لاستمرار الدعم الأميركي لاستقرار بغداد، وهو ما يربط مباشرة بين الملف المالي وملف حصر السلاح الذي يواجه مهلة 30 أيلول 2026.

تشريعياً: تفكيك إرث اقتصاد الدولة الموجَّه

على المستوى القانوني، تخوض الحكومة معركة برلمانية لإلغاء ما تبقى من قوانين “مجلس قيادة الثورة” المنحلّ، والتي تحمل عقلية اشتراكية تُعطّل حركة اقتصاد السوق الحرة وتُصعّب استقطاب الاستثمار الخاص.

بالتوازي، تستعد بغداد لإطلاق “صندوق الطاقة والتنمية”، في محاولة لدعوة رساميل خليجية للمساهمة في تمويل مشاريع الطاقة والبنية التحتية، وهي خطوة تعكس رغبة الحكومة في تنويع مصادر التمويل بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على عائدات النفط والاستدانة من المركزي.

الجولة الإقليمية: من واشنطن إلى دمشق

يترقب المشهد السياسي جولة إقليمية مرتقبة لرئيس الوزراء تشمل واشنطن وأنقرة وطهران والرياض، تندرج ضمن مسعى لمنع استخدام الأراضي العراقية منصة للاعتداء على دول الجوار، وسط تنسيق أمني يتوسّع مع دمشق عقب اتصال تهنئة تلقّاه الزيدي من الرئيس السوري أحمد الشرع، تمهيداً لبحث ملفات ضبط الحدود المشتركة.

هذه الجولة، إن تمت كما هو مخطط لها، ستكون أوّل اختبار حقيقي لقدرة حكومة الزيدي على تسويق ملفي مكافحة الفساد وحصر السلاح كضمانات كافية لإعادة فتح قنوات الدعم الاقتصادي الدولي.

السؤال الذي يحدّد نجاح المسار كله

الرابط الفعلي بين هذا الملف الاقتصادي وملف “حملة الفجر” ليس رابطاً ظرفياً، بل هو صلب المعادلة: فبلا استعادة أموال منهوبة وضبط قنوات تهريب الدولار والنفط، ستبقى موازنة تعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 90% عاجزة عن تمويل أي مشروع إصلاحي حقيقي، مهما بلغ الزخم السياسي للحملة الأمنية.

وحدها نتائج ملموسة، مثل استرداد فعلي للأموال وتحسن قابل للقياس في الخدمات، ستحدّد ما إذا كان مسار الزيدي الاقتصادي بداية تعافٍ بنيوي، أم مجرد إدارة أزمة إلى حين الاستحقاق التالي.

 

إقرأ أيضاً: لحظة لنفهم: لماذا بارك المالكي حملة تطهير الفساد؟