ظهور نوري المالكي، أحد أبرز المتهمين بالفساد في العراق، كمؤيّد لحملة مكافحة الفساد الحالية ليس مصادفة، بل مؤشر على تصفية حسابات بين الأذرع الإيرانية المتنافسة داخل الدولة العراقية.
كان مثيراً للريبة الدعم العلني الذي حظيت به حملة مكافحة الفساد في العراق، تحديداً من نوري المالكي، رئيس حكومات إيران العراقية لثماني سنوات (2006-2014). حماسة المالكي لا تبشّر بأن الحملة ستطال رؤوساً كبيرة فعلاً، بل تفتح باباً للاستنتاج أنّها أقرب إلى تصفية حسابات مع خصوم تبيّن أنّهم من حقبة رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، وليست نتاج مسار إصلاحي شامل. في الوقت ذاته، يوظّف مقتدى الصدر هذه الحملة، التي لم تطله، لتمهيد الطريق أمام عودة نفوذه السياسي.
السوداني الذي يعتبره المالكي، من بين كثيرين آخرين، أحد وجوه إقصائه من الحياة السياسية، ومنعه من العودة إلى رئاسة الحكومة.
من الاعترافات إلى المداهمات
انطلقت التحقيقات من اعترافات وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، الموقوف بتهم قطاع الطاقة، ما منح رئيس الوزراء الجديد علي فالح الزيدي الغطاء القانوني للتحرّك والظهور بمظهر مكافح الفساد.
تداولت الأوساط اسم السوداني نفسه بشبهات استغلال النفوذ وتمرير عقود عبر دائرته الضيقة، فيما تحدّثت تقارير عن مداهمة منزل النائبة عالية نصيف وضبط أموال نقدية، برابط يتصل بنجلها سرمد اللامي، مدير مكتب السوداني السابق، ما يضعه في قلب دائرة الاتهام.
شملت الملاحقات أيضاً زعيم تحالف “عزم” مثنى السامرائي ونواباً رُفعت حصانتهم، وسط تسريب أخبار (على الأرجح من مكتب الزيدي) عن رفض الزيدي رشوة بقيمة 200 مليون دولار لاحتواء الملف.
حسابات المالكي والخزعلي
تتقاطع الحملة مع مهلة 30 أيلول 2026 لتفكيك الفصائل المسلحة، بالتزامن مع إنهاء مهمة التحالف الدولي. وهناك لا بدّ من الإشارة إلى أنّه تقتضي مصلحة المالكي تحجيم الصعود السياسي لنائبه المنشقّ السابق، إذ يخشى أن يتحوّل السوداني إلى منافس حقيقي على زعامة الشيعية السياسية داخل “الإطار التنسيقي” وأمام طهران نفسها، بعدما أثبت خلال ولايته قدرة على بناء قاعدة شعبية مستقلة عن “دولة القانون”.
أما قيس الخزعلي، زعيم “عصائب أهل الحقّ”، الذي بادر إلى تسليم سلاحه، فيرى ضرورة منع تمدّد نفوذ الحقبة السابقة إلى مفاصل الأمن والمخابرات، خشية أن تُستخدم هذه المفاصل لاحقاً لتقييد الفصائل نفسها في مرحلة ما بعد التفكيك.
بدايات تسليم السلاح
تشير المؤشرات إلى بدء فصائل كـ”سرايا السلام” و”العصائب” و”كتائب الإمام علي” بتسليم وجبات من أسلحتها الثقيلة للمخازن الرسمية، رغبةً من “الإطار التنسيقي” في ضبط الإيقاع تفادياً لمواجهة إقليمية مباشرة.
تصرّ الحكومة على دمج المقاتلين كأفراد في الجيش، تطبيقاً لقاعدة الزيدي: “المقاومة كانت حاجة وقد انتفت”. وهي عبارة تختصر محاولة الدولة تحويل ملفّ السلاح من معركة سيادية مفتوحة إلى مسار إداري هادئ.
الصدر والحلبوسي: الرابحون الصامتون
إضعاف جبهة السوداني يمهّد الأرضية لعودة التيار الصدري سياسياً، بعدما اعتبر مقتدى الصدر حكومة السوداني واجهة لإقصائه من المشهد.
سنياً، يستفيد حزب “تقدم” بزعامة محمد الحلبوسي من قضم أجنحة خصومه التقليديين، وعلى رأسهم مثنى السامرائي، لإعادة تركيز الاستقطاب السني لصالحه دون منازع.
اختبار الهوية
من المبكر الجزم ببدء مرحلة سياسية جديدة، لكن اتساع الإجراءات يجعلها الأكثر تأثيراً منذ 2003.
يقيس باحثون مستقلون نجاح الحملة بقدرة القضاء على الصمود وإصدار أحكام إدانة نهائية ضد “الحيتان الكبيرة” دون تسييس… فيما يخشى ناشطون معارضون للمالكي والصدر ألا تمسّ الاعتقالات منابع الفساد الأساسية التي تدعم حملة الزيدي نفسها علناً.
حتّى الآن، لم يصدر عن القضاء العراقي أحكام نهائية في معظم القضايا المتداولة. الأيام المقبلة حتى محطة 30 أيلول ستجيب عمّا إذا كان العراق يكتب السطور الأولى لبناء دولة حقيقية، أم أنّ المشهد سينتهي كجولة إضافية لإعادة توزيع النفوذ داخل الغرف المغلقة لمراكز القوى التقليدية.
إقرأ أيضاً: بغداد تطوّق نفوذ الحرس الإيراني قبل زيارة الزيدي إلى واشنطن