من ثورة اختطفها الملالي من صانعيها الحقيقيين، إلى نظام هجين يحكمه مرشد لا يُنتخب، وصولاً إلى مرحلة قد تكون الأخطر في تاريخه… هل بدأ العدّ التنازلي لسقوط نظام طهران؟
تأسّس النظام الإيراني في أواخر سبعينات القرن الماضي، على إثر ثورة الشعب الإيراني الذي انتفض وكان اليسار محرّكاً أساسياً لها وقائداً إليها. إلى أن تدخّلت أجهزة مخابرات دولية عديدة، ومنها الـCIA التي لم تكن بعيدة عنها أيضاً، وأمّنت كل فرص النجاح لتزعّم الإمام الخميني تلك الثورة عبر ركوب الموجة، على الرغم من كونه كان منفياً خارج إيران، في العراق أولاً ثم في فرنسا…
وبعد سقوط نظام الشاه الحليف للولايات المتحدة الأميركية، وللمفارقة، لم تستقبله تلك الدولة الحليفة للإقامة بها، بل استقبله المرحوم أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية في حينه.
الانقلاب على الثورة
على إثر ذلك، تمّت تصفية حزب “توده” الشيوعي، الذي كان رأس حربة في ثورة الشعب الإيراني، ومن ثم تمّت تصفية عدد من رجال الدين التقدميين، وأبرزهم آية الله طالقاني، وفُرضت الإقامة والسجن على كثير من القادة الذين كانوا على أرض الواقع مع الجماهير المنتفضة. وتسلّم الخميني مقاليد الحكم، وقد حدثت الكثير من الأحداث والتفاصيل التي لا يتّسع لها الوقت في هذه العجالة.
نظام حكم مختلف
الغريب في نظام الحكم الإيراني أنه فعلاً يختلف عمّا هو متعارف عليه في بقية دول العالم:
- أولاً، هو نظام حكم يستند إلى نظرية دينية تُسمى “ولاية الفقيه”، وهي حصراً موجودة في إيران وغير متّفق عليها لدى الذين يتبعون المذهب الشيعي في كل أنحاء العالم. وبذلك يختلف نظام الحكم في طهران عن بقية الأنظمة، فهو هجين ما بين نظام ديمقراطي، حيث تجري كل فترة انتخابات لأعضاء البرلمان وكذلك انتخاب رئيس الجمهورية. لكن يبقى القرار عند المرشد الأعلى، وهو منصب موجود حصراً في طهران وغير منتخب من الشعب، وهو الذي يمسك كل مقاليد الحكم والقرار الأول والأخير. أما رئيس الجمهورية فهو مجرد منصب فخري أو ديكور لا أكثر.
- ثانياً، على المستوى العسكري، يوجد جيش له نظامه وتراتبيته، ويوازيه ما يُسمى بالحرس الثوري، وهو الأقوى والأفعل والذي يمسك بمفاصل الدولة ويتحكم بالاقتصاد عبر مؤسساته. أي إنّ للدولة رأساً هامشياً هو رئيس الجمهورية المنتخب ديمقراطياً، ومرشداً معيّناً أو منتخباً عبر بعض رجال الدين وله عدة تسميات، وكذلك دولة فيها جيشان.
من هنا، إيران دولة بنظام مختلف عمّا تُدرّسه كليات العلوم السياسية في العالم، وهو فريد من نوعه وغريب عن كل الأنظمة التي تُدرَّس ويتعلّمها طلاب الجامعات: لا هو نظام ملكي، ولا هو نظام جمهوري، ولا هو نظام رئاسي… إلخ.
تصدير الثورة واستغلال الشيعة العرب
هذا من ناحية نظام الحكم، ومن ناحية ثانية، صدرت عن هذا النظام نظرية “تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية” إلى باقي شعوب العالم، وخصوصاً الشعوب العربية. ومن ثم أنشأت السلطات الإيرانية أذرعاً وأجنحة لها في العديد من الدول، واتّخذت من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة في الأقطار العربية وسيلة لجعلهم عملاء لها، حتى أصبحوا خارجين عن قوانين بلادهم، وولاؤهم لإيران على حساب أوطانهم.
هذا ما حصل مع حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وحركتَي حماس والجهاد في فلسطين المحتلة وخصوصاً في قطاع غزة. ومن ثم اشترت نظام حكم آل الأسد الديكتاتوري في سوريا، وأغدقت على هذه الأجنحة المال الوفير وكل أنواع التدريب والتسليح.
وتغنّى بعض القادة الإيرانيين بأنهم سيطروا على أربع عواصم عربية، وهي: بغداد وصنعاء ودمشق وبيروت.
بدء زمن الهزائم
استمرّ ذلك حتى أواخر العام 2023، حيث ابتدأت عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها حركة حماس في غزة، وتبعها حزب الله في لبنان تحت مسمى “حرب إسناد غزة”. وكرّت سبحة الهزائم، وابتدأت مسيرة الانحدار. وفي أواخر العام 2025، سقط نظام الأسد في سوريا وانتصرت ثورة الشعب السوري، وانهزمت حماس في غزة، وسقط قطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي. ثم دخلت القوات الإسرائيلية لبنان وقتلت قيادة حزب الله المخضرمة، وحين توقفت الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني من العام 2024، بعد أن دامت 66 يوماً، بقيت القوات الإسرائيلية متمركزة في خمس نقاط.
ثم فتح حزب الله “حرب إسناد طهران” ثأراً للمرشد علي خامنئي، إثر الهجوم الأميركي الإسرائيلي في الثامن والعشرين من شباط من العام الحالي 2026، وبدأت هزائم الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد مقتل مرشدها وعدد كبير من قادتها السياسيين والعسكريين، وتم تنصيب نجل المرشد علي خامنئي، “مجتبى خامنئي”، الذي حتى تاريخه لم يظهر بصورة، بل إنه لم يشارك حتى في تشييع جنازة والده. وبالتالي، تكتنف حياته الكثير من الظروف الغامضة والإشاعات، وبالتالي فإن الذي يحكم فعلياً هو الحرس الثوري الإيراني.
مذكرة تفاهم أميركا وإيران والمفاوضات
توقفت الحرب عبر مفاوضات إيرانية أميركية بدأت غير مباشرة، ثم استمرت مباشرة في لقاءات سويسرا، وحضرها عن الجانب الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي وحاكم البنك المركزي عبد الناصر همتي وآخرون، ومن الجانب الأميركي جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي وجاريد كوشنير وستيف ويتكوف.
أزمات نظام الحكم
نظام الحكم الإيراني يحتاج دوماً إلى الحروب حتى يستمر في الحكم، ويُبقي الشعب الإيراني في حالة تُلهيه عن أزماته، ومنها:
- أولاً، أن استمرار السلام والهدوء قد يُساعد في عودة الاضطرابات إلى البلاد نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة.
- ثانياً، نتيجة الحصار والعقوبات التي تفرضها على طهران الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، أنهك الاقتصاد الإيراني وبات متعباً.
- ثالثاً، تحاصر القوات الأميركية الموانئ الإيرانية وتمنعها من تصدير النفط، ما أرهق البلاد وزاد حدّة الفقر فيها.
- رابعاً، تتعدّد الأجنحة في النظام الإيراني، والأصوات التي تصدر بين الحين والآخر وتُخوِّن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وكذلك الوفد المفاوض، وسط ما يتسرّب بين الحين والآخر عن تهديد بزشكيان بالاستقالة إن أُلغيت مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.
الحرس الثوري يحتاج الحرب
هذا ما دفع جماعة الحرس الثوري إلى توتير الأوضاع في منطقة مضيق هرمز والاعتداء على بعض السفن وناقلات النفط التي تعبر المضيق، ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتوجيه القوات الأميركية لقصف مواقع في إيران. ومن ثم صرّح في 8 تموز الجاري بإلغائه مذكرة التفاهم، ونعت القيادة الإيرانية بأشد النعوت السيئة، وأمر مجدداً في الأيام الماضية بإعادة الكرّة لقصف مئات المواقع في إيران، ومنها محطات توليد كهرباء وسكك الحديد التي تربط بين إيران وروسيا والصين، ما يزيد حدة الحصار. وقد طلب من قواته إعادة فرض الحصار في حال عادت طهران للاعتداء على السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، وتوعّد بإعادة قصف إيران بضربات أقوى من التي سبقت.
كل ذلك زاد من حدة أزمات النظام الإيراني وأدخله في مرحلة صعبة للغاية، ما جعلها أزمة وجودية قد تجعل من استمراره في حكم إيران صعباً، بل مستحيلاً. وهنا يمكننا طرح السؤال التالي: هل بدأت عملية إسقاط نظام حكم الملالي في طهران، أم أن الأمر لا يزال مؤجلاً بعض الشيء؟
هذا ما ستُظهره الأحداث في الأيام الآتية.
إقرأ أيضاً: عناصر الحزب داخل “أنفاق علي الطاهر”… محاصرون بين الاستسلام والموت؟