معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

٧ أيار إسرائيلي: رسمياً… التواصل مسموح مع تل أبيب

المساعدة البصرية: حجم الخط

من ريكاردو الشدياق إلى سفير إسرائيل في واشنطن، تدحرجت حجارة الدومينو في أقلّ من شهرين، لتتحوّل “الخطوط الحمراء” إلى تفاصيل عابرة، وليتحوّل التابو إلى مجرّد عنوان في نشرة أخبار… بأوامر من السلطة العليا.

 

في 7 أيار الماضي، ولكلّ تاريخ من اسمه نصيب… أجرى الإعلامي ريكاردو الشدياق حواراً على منصّة Politicalpen، التي أخذت على عاتقها التسويق للسلام مع إسرائيل.
كان الضيفان مريم يونس وجوناثان الخوري، وهما لبنانيان أُبعدا “قسراً” إلى إسرائيل منذ عام 2000، بعد تحرير جنوب لبنان من القوات الإسرائيلية. وهما ابنا ضابطين سابقين في “جيش لبنان الجنوبي” الذي عُرف بـ”جيش لحد”. مريم كان عمرها 5 سنوات حين رحلت إلى إسرائيل مع عائلتها، وجوناثان 9. وهما اليوم جزء من الدعاية الإسرائيلية الرسمية. أي موظفان في أجهزة رسمية للتسويق للسلام. وكانت المقابلة مع ريكاردو.
يومها بدا الأمر استثناءً عابراً، حديثاً عن مصير مُبعدين قدامى لا أكثر. وكان هناك “عصرة Twist” تسمح بالتلاعب القانوني. فمريم وجوناثان يحملان الجنسية اللبنانية، إلى جانب الجنسية الإسرائيلية… لكن من يراقب الإيقاع السياسي يعرف أن الاستثناء الأوّل هو دائماً “بروفة” وتمرين للقاعدة الآتية.
من درغام إلى حرب: التطبيع بالتقسيط
لم يمرّ وقت طويل حتى استضافت قناة mtv، عبر آلان درغام هذه المرّة، الشخصين نفسيهما: مريم يونس وجوناثان الخوري. في حلقة ثانية أعادت التذكير بأنّ الظهور الأول لم يكن “خطأً تحريرياً” بل بداية خطّ سياسي إعلامي جديد.
ومع ريكاردو الشدياق نفسه، أطلّ المحامي مجد حرب، ابن النائب والوزير السابق بطرس حرب، ليقول بلغة لا تخلو من التحدّي، إنه لا مانع لديه من “شرب البيرة في تل أبيب” وإنّ الفرصة قد حانت للتطبيع مع إسرائيل.
عبارة بدت استفزازية لكثيرين، لكن أُريد لها أن تصير “Trend”. فقد ردّدها ناشطون في برنامج “صار الوقت” بإدارة مرسال غانم، أكثر من مرّة. وفي سياق متسارع بدأت تتحوّل إلى غاية سياسية: تطبيع اللغة قبل تطبيع اللقاء.

عون وترامب: الغطاء السياسي والتوقيت

لم يأتِ هذا التدحرج من فراغ. ففي مقابلته مع كريستيان أمانبور على “CNN” في 5 حزيران الماضي، قال الرئيس جوزاف عون إنّه “آن الأوان لإنهاء حالة العداء مع إسرائيل”، داعياً الإسرائيليين وحزب الله إلى إدراك أنّ الحرب الحالية “قصيرة النظر ولا جدوى منها”.
في موازاة ذلك، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تصريح لمراسل “mtv”، القانونَ اللبناني الذي يجرّم التواصل مع إسرائيل بأنه “قانون مجنون”، طالباً من وزير خارجيته ماركو روبيو “وضع حدّ له”.
هذان الموقفان الرئاسيان، اللبناني والأميركي، شكّلا غطاء سياسياً غير معلن سمح لحجارة الدومينو الإعلامية بأن تتساقط الواحدة تلو الأخرى من دون أي رادع سياسي أو إعلامي أو حتّى قضائي.

نديم الجميل وبشارة خير الله

تبع هذا الـ”Trend” كلام للنائب عن دائرة الأشرفية، ونجل الرئيس الراحل بشير الجميّل، نديم الجميّل، حيث أيّد ما قاله مجد حرب. ثم أطلّ الإعلامي بشارة خير الله بعبارته اللافتة بأن “منروح ومنسلّم عمجد ونديم”، في إشارة إلى تبنّي الموقف نفسه.
وسط هذا الـ”Trend” المسيحي، وحده النائب جبران باسيل حاول كسر هذا الخطّ، محذّراً من أنّ “إسرائيل تقتلنا، وهناك من يريد أن يشرب بيرة في تل أبيب”، في ردّ ضمني ومباشر على مجد حرب ونديم الجميّل والناشطين معاً.
وكذلك أخرج حزب الله بعض ناشطيه المسيحيين، بينهم مايا صبّاغ، لمهاجمة هذا الـ”Trend” متحدّية بالقول: “طالما هناك حزب الله في لبنان، لا أحد سيشرب البيرة في تل أبيب”.
باراك رافيد وعلي حمدان… ثم LBCI والسفير في واشنطن
بلغ التطبيع الإعلامي ذروته حين خرج الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد على منصّة X ليعلن أنّ مستشار الرئيس نبيه برّي، علي حمدان، اتصل به وأعطاه حديثاً لـ”أكسيوس”. ولم يصدر نفيٌ من علي حمدان. وبدأن منصّات ترفع الصوت بضرورة محاسبة علي حمدان… الذي يحمل “جوكر” الحماية القصوى من ثاني “الثنائي الشيعي”، الرئيس برّي.
فوراً تشجّعت محطة LBCI ولحقت بعلي حمدان. فاستضافت باراك رافيد ليشرح بالتفصيل كيف جرى تواصله مع علي حمدان. فقد بدت تلك مشروعية فائقة الأهمية لمسار التطبيع الإعلامي مع إسرائيل. خصوصاً أنّها صادرة عن أعلى مرجع شيعي في لبنان هو رئيس مجلس النواب، والأعلى شيعياً في تاريخ لبنان. ذلك الرئيس الذي خاطبه الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله بـ”الأخ الأكبر”، وكذلك فعل خلفه نعيم قاسم.
بعدها ذهبت قناة “الجديد إلىمحاورة سفير إسرائيل في واشنطن بعد جولة التفاوض بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. في خطوة تُنهي عملياً أيّ وهم بأنّ ما جرى كان “حالات فردية معزولة”. كل هذا حصل خلال شهر حزيران، أي في أقلّ من شهر واحد… بعد الحلقة الأولى في 7 أيّار.

ماذا عن القضاء والقانون اللبناني؟

هنا يكمن السؤال الأكثر إثارةً للجدل: لماذا لم يتحرّك القضاء اللبناني لتوقيف أيٍّ من هؤلاء رغم قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 1955، والمادّة 278 من قانون العقوبات اللبناني التي تُعاقب صراحة كلّ من “يتّصل” بـ”العدو” أو يعمل على تحقيق مصالحه، بالأشغال الشاقة المؤقتة أو الدائمة؟
وهذا القضاء كان معروفاً بمسارعته إلى توقيف أيّ لبناني “تشتمّ” منه رائحة التواصل الطفيف، حتّى إذا جلست ملكة جمال لبنان إلى جانب ملكة جمال إسرائيل، كانت توضع قيد التحقيق… وقد تكرّر هذا في أعوام 2002 و2015 و2018…

لكن ما الجديد؟
بحسب معلومات خاصّة لـ”الدولة”، فإنّ هناك تعليمات سياسية غير معلنة توجّهت إلى القضاء، بعدم إصدار أيّ مذكرة توقيف بحقّ من يُجري مقابلات أو حوارات مع إسرائيليين، خصوصاً من الإعلاميين.
أما في حال وصل أحد هؤلاء إلى أمام أحد القضاة بشكل أو بآخر، فعلى القضاة الاكتفاء خلال التحقيقات بتذكيرهم شفهياً بأنّ القانون يمنع هذا التواصل.
في المقابل، لا تزال هناك تعليمات سياسية موجّهة إلى القضاء نفسه بأن يتشدّد بلا رحمة مع كل من يُتّهم بـ”التعامل” الفعلي، أي تسريب معلومات أو صور إلى العدو، تؤدّي إلى إيذاء لبنانيين…
التواصل الإعلامي إذاً بات مغطّى، والتعامل الاستخباراتي وحده يُعاقَب عليه.
وفي مفارقة لا تخلو من الطرافة، خرج قبل أيّام المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، ليعرض هذه المواقف المستجدّة، ويرحّب بمن يريدون شرب البيرة في عاصمة دولته.

من التابو إلى العادي: كيف تدحرجت الحجارة
ما جرى خلال أقلّ من شهرين ليس سلسلة حوادث منفصلة، بل مسار مدروس: بدأ بحلقة “بريئة” في 7 أيّار، ومرّ بتصريحات فردية اختبرت ردّة فعل الشارع، ثم توسّع إلى برامج حوارية كاملة مع صحافيين إسرائيليين وسفير إسرائيل نفسه، وانتهى بغطاء سياسي رئاسي وأميركي صريح يدعو إلى تغيير القانون بدل تطبيقه.

 

إقرأ أيضاً: همسٌ في البيئة الشيعية: الحزب استباح بيوت الجنوب.. قبل إسرائيل