معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

دمشق بين الاقتصاد والدبلوماسية: قراءة في ملامح “الجمهورية الجديدة”

المساعدة البصرية: حجم الخط

خلف عبارات السيف والحرير والشعر، تظهر صورة متكاملة تربط سيادة القوة بازدهار الاقتصاد وندّية الدبلوماسية. وفيما تُطرح هذه الثلاثية كوعد بالاستقرار، تبقى الأسئلة معلّقة حول قدرة السلطة الجديدة في دمشق على تجاوز جدار العقوبات وتعقيدات حصر السلاح وإبقاء القبضة الأمنية بيد الدولة المركزية كشرط للنهوض الاقتصادي في سوريا.

 

العتبة البلاغية واللحظة التأسيسية

لم يكن افتتاح معرض “ناس تكس 2026” الصناعي في دمشق مجرد حدث اقتصادي محلّي يُقَصّ فيه الشريط الأحمر، بل كان منصّة لإطلاق ما يشبه “بيان تدشين” لمرحلة جديدة من تاريخ سوريا. ففي اللحظة التي وقف فيها الرئيس أحمد الشرع أمام حشد من رجال الأعمال السوريين والعرب والأجانب، وافتتح كلمته قائلاً: “إنّ صناعة النسيج تحكي شطراً من قصة تاريخنا، فقد كانت مرآةَ ذوقٍ لأهل الشام، تعلموا منها الدقة في العمل والصبر والعطاء.”
لم يكن يتحدث عن النسيج والآلات فحسب، وإنّما كان يطرح المعالم الأولى لمشروع “الجمهورية الجديدة”.

وقد جاء هذا الخطاب في توقيت دقيق ومسكون بالدلالة السياسية؛ إذ تلا استكمال الكتلة الصلبة للهيكل الدستوري عبر انتخاب مجلس الشعب، وبدء مسيرة العمل على إقرار الدستور الانتقالي والمواثيق المنظمة للحياة العامة. وعليه، فإنّ الكلام الذي خرج من منصّة المعرض يُقرأ تحليلياً بوصفه محاولة لإعلان توجهات دولة تسعى لاستعادة شرعيتها الوظيفية والمؤسساتية.
وإذا أردنا اختزال الجوهر التحليلي لهذا الخطاب، فهو يكمن في ثلاثية “السيف والحرير والشعر”. وهذه الثلاثية ليست مجرد مجاز بلاغي استعراضي، بل تعكس مصفوفة سياسات (Policy Matrix) مفترضة للمرحلة المقبلة، تربط بين سيادة القوة، وازدهار الاقتصاد، وندّية الدبلوماسية، لترسم معاً ملامح سوريا التي يسعى القائمون على المشهد لإعادتها إلى معادلة التوازن الإقليمي.

“الحرير”.. استعادة الجينات الاقتصادية وعودة “ورشة الشرق”

اختار الخطاب أن يبدأ بالحرير، وفي ذلك استدعاء لمكانة دمشق في الذاكرة الاقتصادية الوطنية والفرص المتاحة لإحيائها، مستنداً إلى جذر تاريخي واعد حين أشار الشرع في كلمته: “كانت صنعة القماش في الشام سفيرةً حيّةً لأصقاع الأرض، وعليها بُني الاقتصاد وازدهرت التجارة، وشيّدت الطرق وسُمّيت باسمها، وقصدها الركبان، ولعلّنا اليوم في هذه المناسبة أن نحيي ما حاول دفنه الطغاة ونعيد بناء حاضرنا بماضينا.”، ووفقاً لبيانات المكتب المركزي للإحصاء (CBS) وغرفة صناعة دمشق، كانت الصناعات النسيجية تشكل نحو 63% من إجمالي القطاع الصناعي غير النفطي، وتساهم بنحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2011. ومن هنا، فإنّ الحديث عن الحرير يمثل محاولة لاستعادة قطاع إستراتيجي قادر على الامتصاص السريع للبطالة.
وقد ترجم هذا الرمز عملياً في معرض “ناس تكس” عبر مشاركة أجنبية وعربية لافتة، وهو مؤشر أولي ترصده تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا – ESCWA) حول إمكانية التحوّل التدريجي من “اقتصاد الحرب والانكماش الهيكلي” إلى استقطاب رؤوس الأموال وتحفيز الإنتاج. وهو ما جسّده الشرع في كلمته بالقول: “إنّ ما نشهده اليوم في المعرض السوري الدولي للنسيج، محطّة خيرٍ وبركة على شعب سوريا، ونقطة انطلاق خلاقة في معركتنا مع الفقر والعوز، وإعادة الإعمار، وتأمين آلاف فرص العمل والوظائف لأبناء شعبنا.”
إلا أنّ البعد الجيوسياسي الأكثر عمقاً لهذا المعطى يتصل بحاجة المحيط الإقليمي لدمشق بوصفها العقدة الجغرافية لشبكات اللوجستيات العابرة للحدود (Cross-border Logistics). فحسب دراسات الاتحاد الدولي للنقل بالطرود (IRU)، يظل الشريان الدولي M5 ومعبر نصيب الحدودي، الذي سجل مرور نحو 700 شاحنة يومياً في فترات ذروته، المسار الأكثر كفاءة واقتصاداً لربط سلاسل التوريد بين الخليج العربي والأردن وتركيا وصولاً إلى الأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق فإنّ الحرير يمثل أيضاً إعادة صياغة لـ “العقد الاجتماعي”: عقد قائم على التنمية السريعة وتوفير فرص العمل لتصحيح النزيف الديمغرافي، وتحويل الطاقة الشعبية من ميادين الصراع إلى الإنتاجية، وهو المسار الذي حدد الشرع أدواته بدقّة بقوله: “ننسج قصتنا بالسلم الأهلي والوحدة الوطنية والدبلوماسية المتوازنة والاستقرار الأمني والنمو الاقتصادي، لتعود سوريا كما كانت مصدر الإبداع، ومُصدِّرة الكفاءات، ومحضن أهل الدراية والأيدي الماهرة.”
وكما جاء في بيان رئاسة الجمهورية السورية بتاريخ 15 حزيران 2026: “إعادة الإعمار لن تبدأ بالأسمنت، بل بثقة المستثمر وعرق العامل”. لنكمل هذه السردية فإن ثقة المستثمر لا تخلق في الفراغ؛ فلا حرير يزدهر بلا سيف يحميه.

“السيف”.. شرعية إنفاذ القانون واحتكار القوّة

هنا يحدث التحول المفصلي في مفهوم “السيف” من أبعاده العسكرية الميدانية إلى مفهومه القانوني والدستوري؛ حيث يغدو السيف بعد استكمال الهياكل الرسمية محاولة لإقرار مبدأ احتكار وسائل العنف الشرعي (Weberian Monopoly on Violence). وقد صاغ الرئيس الشرع هذه المعادلة الدقيقة في خطابه حين قال: “اشتهرت سوريا أيضاً بصناعة السيوف الدمشقية الحادة، إلى جانب الملامس الناعمة من الحرير والأقمشة، فبين الحدة واللين تكمن السياسة السورية المتطبعة بأكثر ما اشتهرت به، فأعطت كل ذي حق حقه.”
والمعادلة التي يطرحها الخطاب واضحة وصارمة: فـ “صندوق السلام” (Fund for Peace) في مؤشراته السنوية للدول الهشة، يخلص إلى نتيجة ثابتة مفادها أنّه لا أمان لتدفقات رؤوس الأموال واستثمارات “الحرير” في بيئة تتعدّد فيها سلطات القرار الأمني. ومن هنا، جاءت الرسائل الأمنية موجهة نحو حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وإنهاء ظاهرة “الفصائلية”، وتثبيت المرجعية القضائية للدولة.
وبذلك تعكس الطروحات الرسمية رغبة دمشق في الانتقال من منطق “إدارة الصراع” إلى منطق “تثبيت الأركان”، حيث تُقدّم الدولة نفسها ككفيل أخير للاستقرار القانوني والأمني، غير أنّ نجاح هذا المسار لا يتوقّف على الحزم التنفيذي فحسب، بل يتطلب صياغة آليات استيعابية مرنة تعتمد ‘الحوافز التنموية والأمنية’؛ لتشجيع الفصائل على الاندماج الطوعي وتسليم السلاح، وتفادي مخاطر الصدام الميداني المباشر.

“قصائد الشعر”.. دبلوماسية الندّية وحراك “الشيباني”

أمّا “قصائد الشعر” فهي الشِفرة الدبلوماسية المعبّرة عن استعادة الكرامة السيادية. ويكفي التوقّف عند مضمون الرسالة الختامية للكلمة، حيث أعلن الشرع قائلاً: “من هنا، من سوريا، نعد شعبنا والعالم، أننا نطرّز لوحات السلام، وننسج بساط السعة، ونحيك القصائد لمن يبادلنا صدق المشاعر والنوايا.”
هذه الكلمات تعكس تحولاً نحو أدبيات “الواقعية السياسية” (Realpolitik)، حيث تُصاغ الرسالة الموجهة للخارج، ومفادها أنّ الاستقرار الإقليمي يتطلّب التعامل مع دمشق كفاعل نِدّي يستند إلى جغرافيتها واستحقاقاتها الدستورية، وأنّ السلام محاكاة متكافئة تشترط صدق النوايا المتبادلة. وهنا تتحوّل هذه الدبلوماسية الندّية من مجرد خطاب سيادي إلى أداة تفاوضية رئيسية تهدف لمساومة المحيط الإقليمي والدولي على ملف رفع العقوبات وتفكيك الحصار المالي، مقابل ضمانات التوازن والاستقرار.
والمشهدية تكتمل في حراك وزير الخارجية أسعد الشيباني الذي سعى لتجسيد هذا المنطق؛ فجولاته بين بيروت والرياض وأنقرة وموسكو ركزت على ملفات ملموسة ذات اهتمام مشترك، شملت اتفاقيات الترانزيت، والتنسيق الأمني الحدودي، وإعادة فتح المجالات الجوية.
والدليل الأوضح على هذا التحول تجلى في زيارته لبيروت في تموز 2026، حيث اقتصر جدول أعماله على القنوات الرسمية ومؤسسات الدولة اللبنانية، متجاوزاً الاستقطابات الحزبية، في رسالة مفادها أن السلطة الجديدة ترغب في إرساء علاقاتها وفق أطر “من دولة إلى دولة”.

التحدّيات والمخاطر: عقبات الحرير واختبارات السيف

على الرغم من التماسك في المفهوم الذي تقدّمه هذه الثلاثية، إلا أنّ تطبيقها على أرض الواقع يصطدم بتحدّيات هيكلية حقيقية تُبرزها تقارير المخاطر السياسية والإقليمية:
العقبات المالية والجدار التنفيذي للعقوبات: بحسب تقديرات البنك الدولي (World Bank)، تشكّل العقوبات الدولية النافذة والقيود على التحويلات المصرفية عائقاً أمام تدفق الاستثمارات الكبرى، مما قد يحصر خطط “الحرير” في نطاق التبادلات المحدودة ويحول دون تحقيق قفزات نمو ملموسة.
الفجوة التمويلية العميقة: تُقدّر تقارير الأمم المتحدة احتياجات إعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية المتهالكة بنحو 250 إلى 400 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز الإمكانات المحلية بمراحل، ويجعل التنمية مرهونة بالمدى الذي يمكن أن يصل إليه الانفتاح المالي الإقليمي والدولي.
تعقيدات حصر السلاح وسلسلة القيادة: إنّ الانتقال من نص “السيف” القانوني إلى الميدان يتطلب عملية معقدة لإعادة دمج الفصائل وتوحيد العقيدة الأمنية تحت مظلة الوزارات المختصة، وهو مسار يحمل مخاطر الاحتكاك والتحديات التنظيمية.

“فريق التأسيس”.. إدارة الدولة بين الرمزية والحوكمة

إنّ ما يسعى للتعبير عنه “فريق التأسيس” الذي يقود سوريا في هذه المرحلة هو محاولة الجمع بين الرمزية التاريخية وأدوات الحوكمة الحديثة، بتوظيف أدبيات التراث (السيوف، الحرير، الشعر) وتأطيرها ضمن مفاهيم الإدارة العامة حديثة الصنع.
والهدف التحليلي المعلن هو إخراج البلاد من حالة الاستثناء التاريخي، وإعادة دمجها في التنافسية الإقليمية. وقد تقاطعت هذه القراءة مع تقارير مراكز الأبحاث الدولية؛ إذ أشار تقرير مجموعة الأزمات الدولية (ICG) الصادر في حزيران 2026 تحت عنوان “دمشق الجديدة والتوازن اللبناني” إلى أنّ السلطة الجديدة في دمشق تتحرك: “بمنطق دولة وطنية تبحث عن شرعية دولية وإعادة إعمار بالمليارات”

ملامح الجمهورية المستقرة

خلاصة القول، يقدّم خطاب “ناس تكس” رؤية مكثّفة لـ “لوحة قيادة” المرحلة المقبلة: دولة تسعى للصلابة بسيف قانونها، والنعومة بحرير اقتصادها وموقعها الجغرافي (الممرّي)، والرفعة بشعر دبلوماسيتها الندّية.
إلا أنّ نجاح هذه الثلاثية في العبور بسوريا نحو الاستقرار المؤسسي الناجز يظل مرهوناً بالقدرة على تفكيك الألغام الاقتصادية وحل معضلة التمويل والعقوبات. فمن أراد الحرير، عليه أن يبني بيئة قانونية تحميه، ومن أراد الشراكة والقصائد، فالمحك الحقيقي يكمن في صياغة المصالح المشتركة على طاولة الواقعية السياسية.

 

إقرأ أيضاً: نبيه برّي يكشف “تنسيقه” مع سلام… رسالة إلى مَن؟