بينما تُعاد رسم خرائط الطّاقة والممرّات في المنطقة بعد أزمة مضيق هرمز، لا يزال الساسة اللبنانيّون أسرى عقلية الوصاية القديمة، عاجزين عن قراءة تسارع الأحداث من حولهم.
السّريع يأكل البطيء
لا شكّ أنّ منطقة الشّرق الأوسط تزداد حركة فيها، بل تتحرّك بسرعة، وقد قال علي فالح الزّيدي، رئيس وزراء العراق، إبّان زيارته للولايات المتّحدة، وفي حديثه بلقاء مع مستثمرين ومتموّلين عراقيّين وأميركيّين، كلمة مؤثّرة جدّاً، حين قال إنّ القول الشّائع يقول “القويّ يأكل الضّعيف”، وأنا أقول “السّريع يأكل البطيء”.
فعلاً، وفي هذا الواقع السّريع الّذي تتحرّك به منطقتنا، وما يُرسم لها على صعيد الطّاقة ومسارات حركتها، خصوصاً بعد أزمة مضيق هرمز ومحاولة إيران التّحكّم به، بدأت الأبصار تشيح باتّجاه طرق بديلة والتفافيّة تتجاوز مضيق هرمز، بل تتجاوز أيضاً مضيق باب المندب، حتّى تُؤمَّن وتُوفَّر لإمدادات الطّاقة إمكانيّة استمرار تدفّقها إلى بقيّة أنحاء العالم، بعيداً عن إرادة التّحكّم بها من قِبل أيّة جهة كانت، وهذا ما يُسعى إليه لإيجاد البديل بحلول العام 2028.
لبنان خارج الزّمن
هنا نعود للقول: إنّ العالم من حولنا يتحرّك سريعاً، ولكنّ السّؤال: ماذا عن لبنان؟
فالسّياسيّون في لبنان، ورغم كلّ الّذي يجري من حولنا، لا يزالون يتحرّكون على الوتيرة ذاتها الّتي ورثوها عن أنظمة الوصايا والاحتلالات، ولا يزالون يتعاطون بترف الوقت، والتّذاكي على بعضهم البعض وعلى الآخرين.
فلليوم، لا نزال نرى بعضهم يتفنّن في التّذاكي برفض مذكّرة التّفاهم، أو ما سُمّي مذكّرة الإطار، ويرفضها من دون أن يستطيع أحدٌ ممّن رفضها تقديم أيّ بديل ناجع يؤدّي إلى استبدالها والاستغناء عنها، بل مجرّد الرّفض والتّلهّي بحجج وأوهام سقطت مع الوقت. فمثلاً، تلهّى بعضهم باتّفاقيّة الهدنة للعام 1948، متناسياً أنّ من أسقطها هو نبيه برّي وحزب الله يوم وافقوا على التّخلّي عن الخطّ 29، وارتضوا الخطّ 23 بديلاً، وبذلك وافقوا مع إسرائيل على نقل نقطة الحدود B1 مسافة 35 متراً شمالاً داخل الأراضي اللبنانيّة، وقبلوا بالخطّ 23 الوهميّ الّذي ينطلق من مسافة 500 متر داخل المياه الإقليميّة اللبنانيّة، وليس من البرّ اللبنانيّ كما الخطّ 29، وبذلك أسقطوا خطّ الهدنة وألغَوه كاملاً مع كلّ تطبيقاته وتوابعه، وعدّلوا الحدود اللبنانيّة من دون العودة إلى الدّستور والقوانين اللبنانيّة المرعيّة الإجراء.
لعبة التّذاكي وأوهام الزّعامة
من ناحية ثانية، لا يزال البعض يلعب لعبة التّذاكي على الغير، وكأنّه هو وحده من يملك الحجّة والآخرون مجرّد كومبارس لا أكثر، متناسياً أنّ الزّمن عفا عنه وعن “أرانبه” الّتي تولد ميتة ولم يعد لها وهج ولا رهجة تُثير إعجاب أحد.
فهذا البعض، الّذي مضى على ترؤّسه البرلمان اللبنانيّ ما يزيد عن ثلاثين عاماً، عبر خزعبلات وبقوّة الأمر الواقع من سلطات الاحتلال السّوريّ، ثمّ الوصاية الإيرانيّة، إضافة إلى ضعف الدّولة اللبنانيّة والاستقواء عليها بقوّة الدّويلة، اعتبر نفسه أمير زمانه وملك عصره، بينما الحقيقة أنّ الزّمن عفا عنه وعن دوره الّذي تآكل مع السّنين.
إلى كلّ هؤلاء: الزّمن تبدّل، والمنطقة تُرسم من جديد وفق خطط وعُقد طرق جديدة، فأين أنتم منها؟
حين تتقدّم الجغرافيا على الإيديولوجيا
الزّمن يتغيّر والسّياسة تتغيّر، وأنتم ثابتون على أفكار تلاشت، وقصص وروايات تبعثرت مع سقوط الاتّحاد السّوفياتيّ وتبدّل اليسار واليمين، فأصبحت خطوط الطّاقة والاقتصاد هي من تقود العالم، وليست السّياسة وحدها.
لذا، على ساسة لبنان أن يستبدلوا أفكارهم القديمة البالية بفكر سياسيّ مبنيّ على العلم والتّكنولوجيا، بعيداً عن خزعبلات السّياسة اللبنانيّة، وأن يعودوا إلى تعريف السّياسة الحقيقيّ الّذي عرّفه كبيرٌ من بلادي، كمال جنبلاط، حين قال: “السّياسة من أشرف المهن لأنّ لها علاقة بقيادة الرّجال”.
حينها فقط، قد يستطيع لبنان اللّحاق بركب التّطوّر والتّحديث، والابتعاد عن الصّنميّة والأنا الضّيّقة الّتي تتحكّم بأكثريّة السّاسة اللبنانيّين.
فيا سادة السّياسة، في الوقت الّذي يوقّع فيه العراق مع سوريا إعادة ترميم خطّ كركوك-بانياس لتصدير النّفط العراقيّ بعيداً عن مضيق هرمز، وحين تُحاول المملكة العربيّة السّعوديّة ترميم خطّ التّابلاين ووصله إلى بانياس، فهل تأخذون دور لبنان بعين الاعتبار، أم تكتفون بالتّلهّي برفض هذا الأمر والنّقاش في قانون العفو وغيره من بِدَع السّياسة اللبنانيّة، فيما العالم يتسارع من حولكم؟
الزّمن لا ينتظر أحداً، وأنتم تُضيّعون الفرص وتزيدون همّاً على همّ المواطن اللبنانيّ الّذي يتأمّل أن يجد حلولاً لبعض المشاكل الّتي أوقعتموه بها أساساً.
إقرأ أيضاً: فكر الحزب أخطر من سلاحه: قراءة في الدرس المصري