ريتشارد أرميتاج، الرجل الحاضر في مرحلتين متناقضتين من السياسة الأميركية تجاه أفغانستان والذي تطرح تجربته السؤال الأهم: كيف تتعامل الدول الكبرى مع أدواتها حين تنقلب الحاجة إليها؟ وهل يمكن لأداة صراع أن تبقى صالحة حين تتبدّل البيئة التي صنعتها؟
“التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يعيد منطقه”.
ولعلّ العلاقات الدولية تقدّم الدليل الأوضح على ذلك. فما يبدو في لحظة تاريخية خياراً استراتيجياً لا غنى عنه، قد يتحوّل بعد سنوات قليلة إلى عبء سياسي وأمني يقتضي التخلّص منه. ففي عالم الدول الكبرى، لا قداسة للحلفاء، ولا وفاء للأدوات، بل ثبات واحد لا يتغيّر: المصلحة الوطنية كما تراها تلك الدول.
أرميتاج… رجل مرحلتين متناقضتين
هذه القاعدة لا يختصرها اسم ريتشارد أرميتاج بقدر ما تجسّدها المرحلة التي كان أحد رجالها. فقد شغل أرميتاج مناصب رفيعة في وزارة الدفاع الأميركية خلال إدارة الرئيس رونالد ريغان، ثم عاد بعد سنوات نائباً لوزير الخارجية في إدارة جورج بوش الابن، ليكون حاضراً في مرحلتين متناقضتين من السياسة الأميركية: مرحلة الاستثمار في الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفياتي، ومرحلة الحرب على التنظيمات التي خرجت من البيئة التي صنعتها تلك الحرب.

أفغانستان: حين صنعت واشنطن عدوّها القادم
عندما دخل الجيش السوفياتي أفغانستان في كانون الأول 1979، رأت واشنطن في ذلك فرصة لإغراق موسكو في حرب استنزاف طويلة. فأطلقت وكالة الاستخبارات المركزية، بالتعاون مع الاستخبارات الباكستانية، برنامج Operation Cyclone، الذي يُعدّ من أكبر برامج العمليات السرية في تاريخ الحرب الباردة. وعلى امتداد عقد كامل، تدفّقت مليارات الدولارات من الأسلحة والتمويل إلى فصائل “المجاهدين” الأفغان، من دون أن يكون الهاجس الأميركي طبيعة الفكر الذي يحمله أولئك المقاتلون، بل قدرتهم على إنهاك الجيش الأحمر.
وقد وثّق الصحافي الأميركي ستيف كول، في كتابه Ghost Wars، كيف أسهمت تلك الاستراتيجية في بناء البيئة العسكرية واللوجستية التي خرجت منها لاحقاً تنظيمات جهادية عابرة للحدود، فيما شرح أحمد رشيد، في كتابه Taliban، كيف تحوّلت أفغانستان إلى مركز استقطاب وتدريب للمقاتلين الإسلاميين، قبل أن تبرز طالبان عام 1994، ثم تنظيم القاعدة الذي أسسه أسامة بن لادن عام 1988.
وفي موازاة الحرب الأفغانية، انفجرت عام 1986 فضيحة “إيران – كونترا”، عندما كشفت التحقيقات أنّ إدارة الرئيس ريغان باعت أسلحة إلى إيران بصورة سرية، رغم الحظر المعلن، واستخدمت جزءاً من العائدات لتمويل متمرّدي “الكونترا” في نيكاراغوا، التفافاً على قرارات الكونغرس. وقد ظهر اسم ريتشارد أرميتاج في سياق التحقيقات المرتبطة بالبيئة الأمنية لتلك المرحلة، من دون أن تُوجَّه إليه تهمة جنائية. لكنّ الفضيحة كرّست حقيقة سياسية باتت معروفة: ما تعلنه الدول شيء، وما تمارسه حين تتقدّم المصالح على الشعارات شيء آخر.
من تسليح “المجاهدين” إلى محاربتهم
ثم انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وانتهت المهمة التي من أجلها استثمرت واشنطن في الحرب الأفغانية. غير أنّ الأدوات التي صنعتها تلك المرحلة لم تختفِ، بل أعادت إنتاج نفسها في سياقات جديدة، إلى أن جاءت هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 لتقلب المشهد رأساً على عقب.
هنا تكمن المفارقة: فالولايات المتحدة التي أنفقت المليارات لتسليح “المجاهدين” ضد السوفيات، وجدت نفسها تقود حرباً عالمية على الإرهاب ضد طالبان والقاعدة، اللتين خرجتا من البيئة التي ساهمت الحرب الأفغانية في تشكيلها. وعاد ريتشارد أرميتاج إلى الواجهة نائباً لوزير الخارجية في إدارة جورج بوش الابن، مشاركاً في إدارة المواجهة السياسية والدبلوماسية ضد طالبان والقاعدة. لم تر واشنطن في ذلك تناقضاً، لأنّها لم تكن وفية للأدوات، بل للمصلحة. وما دام العدو قد تبدّل، فلا بد أن تتبدّل معه السياسة.
ولعلّ ما قاله مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي، في مقابلته الشهيرة مع مجلة Le Nouvel Observateur عام 1998، يلخّص هذا المنطق. فحين سُئل عن دعم “المجاهدين” الأفغان، أجاب بما معناه: ما قيمة بضعة متشدّدين إسلاميين أمام سقوط الإمبراطورية السوفياتية؟ وقد يختلف المؤرخون حول دقّة تقديره للعواقب، لكن عبارته تكشف بوضوح كيف تُقاس القرارات في السياسة الدولية: بميزان المصالح، لا بميزان الثبات على المواقف.
من أفغانستان إلى لبنان
ومن هنا، لا تبدو الحالة اللبنانية بعيدة عن هذا المنطق. فمنذ عام 1982، ارتبط حزب الله بسلاحه بوصفه أداة مقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ثم أصبح هذا السلاح ركناً أساسياً في تعريف الحزب لذاته ولدوره السياسي والإقليمي. غير أنّ التاريخ يطرح سؤالاً يتجاوز الحالة اللبنانية نفسها: هل تبقى الأدوات صالحة عندما تتغيّر البيئة التي أوجدتها؟
وليست المقارنة هنا بين الولايات المتحدة وحزب الله، ولا بين أفغانستان ولبنان، فلكل تجربة ظروفها الخاصة. إنما المقارنة بين منطقين سياسيين: منطق الدول الكبرى التي تعيد تعريف أدواتها كلما تبدّلت مصالحها، ومنطق الحركات التي قد تجد نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها إعادة تعريف وظيفتها أو مواجهة تحديات لم تكن قائمة عند نشأتها.
لقد أثبت التاريخ أنّ كثيراً من التنظيمات المسلحة، في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا، وجدت نفسها مضطرة إلى الانتقال من العمل العسكري إلى العمل السياسي عندما تبدّلت موازين القوى، فيما اختارت تنظيمات أخرى التمسّك بوظيفتها الأصلية، فدخلت في مواجهة مع تحوّلات الداخل والخارج معاً. والسؤال المطروح على أي حركة مسلحة ليس إن كانت محقة أو مخطئة في مرحلة من المراحل، بل إن كانت قادرة على قراءة اللحظة التاريخية حين تتغيّر شروطها.
من لا يعرف إلا المصلحة
إنّ المفارقة التي يجسّدها مسار ريتشارد أرميتاج لا تكمن في شخصه، بل في أنها تكشف إحدى أكثر قواعد العلاقات الدولية ثباتاً: الدول الكبرى لا تصنع الأدوات حباً بها، بل خدمةً لاستراتيجياتها، وحين تنتهي وظيفة الأداة تعيد النظر فيها بلا تردّد. أما الدول الصغيرة، فتكمن مأساتها في أنّ أدوات الصراع تتحوّل فيها إلى جزء من بنيتها الداخلية، فيصبح تعديل وظائفها أكثر صعوبة وكلفة.
ولذلك، فإنّ المفارقة التي جسّدها ريتشارد أرميتاج لا تكمن في أنه حارب من ساهمت بلاده في صناعة البيئة التي خرجوا منها، بل في أنه أثبت مرة أخرى أنّ السياسة الدولية لا تعرف أوفياء، بل تعرف مصالح. أمّا الذين يظنون أنّ أدوات الأمس ستبقى صالحة لكل الأزمنة، فإنّ التاريخ كان دائماً أكثر قسوة من أوهامهم.
فهل يتّعظ حزب الله؟
إقرأ أيضاً: فايننشال تايمز: كيف حوّلت إسرائيل جنوب لبنان إلى أرض “غير صالحة للحياة”؟