معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

فاروق المغربي لـ”الدولة”: عن “السجن” في قانونَ الإعلام الجديد

المساعدة البصرية: حجم الخط

يفتح إقرارُ قانون الإعلام الجديد في لبنان باباً واسعاً من الجدل، ويعيد رسم قواعد العمل الإعلامي في لبنان، إلا أنّ قراءةٌ متأنية لمواده تكشف عن ثغراتٍ قانونية تُنذر بمواجهاتٍ قضائية قد تبدأ فصولها عما قريب.

 

إقرار مثير للجدل

أقرّ مجلسُ النواب اللبناني قانونَ الإعلام الجديد من دون أي تعديل، في خطوةٍ أشعلت غضبَ الجسم الإعلامي بأكمله. فقد أعلنت نقابتا الصحافة والمحررين رفضَهما الصريح لصيغة القانون التي أُقرّت، مؤكدتَين عزمَهما على مواجهته قضائياً وميدانياً، والطعنَ فيه أمام المجلس الدستوري.

تنظيم القطاع وهيئة إعلامية جديدة

يحمل القانون الجديد تحولات بنيوية واسعة في تنظيم القطاع. فقد أدخل الإعلام الإلكتروني بشكل واضح ضمن الإطار التشريعي، مميزاً بين المواقع الإعلامية المهنية وغير المهنية، على أن يبقى الإعلام الإلكتروني حرّاً من دون إخضاع إنشاء المواقع لترخيص مسبق، مع إلزام المواقع المهنية فقط بالتعريف بمالكها ومديرها المسؤول. كما استحدث القانون “الهيئة الوطنية للإعلام” وأعطاها الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، ومنع السلطة التنفيذية من تعليق عملها أو وقفها، على أن تتولى هذه الهيئة منح التراخيص ومراقبة الحريات الإعلامية، مع صلاحية اتخاذ تدابير تصل عند الحاجة إلى إحالة المؤسسات المخالفة إلى القضاء. وفرض النص أيضاً سجلات شفافية تتعلّق بملكية المؤسسات الإعلامية ومداخيلها ومصادر تمويلها.

حق الرد وتحفظات رسمية

كرّس القانون آلية لـ”حق الرد والتصحيح”، تتيح لأي شخص متضرّر من مادة إعلامية غير صحيحة طلب تصحيحها أو إزالتها، مع إلزام المؤسسة بنشر الرد مجاناً وبما يوازي حجم المادة الأصلية، وإمكان اللجوء إلى القضاء المستعجل عند الرفض. كذلك فرض فصلاً واضحاً بين المحتوى الإعلامي والإعلاني، وألزم استطلاعات الرأي بالكشف عن الجهة الممولة والمنهجية المعتمدة. وفي أول تعليق رسمي، رحّب وزير الإعلام بول مرقص بإقرار القانون بوصفه نقلة نوعية، لكنّه أشار إلى تحفظات لم تُعتمد في الصيغة النهائية، أبرزها إلغاء عقوبة حبس الصحافيين، معلناً عزمه على التقدّم بمشروع قانون معجل لتحقيق ذلك.

بين الإصلاح والثغرات

ورغم أنّ القانون حمل بنوداً وُصفت بالإصلاحية، أبرزها تعريفٌ موسّع لصفة “الإعلامي” ليشمل كلَّ من يعمل في مؤسسة إعلامية ويكون الإعلامُ مصدرَ رزقه الأساسي، إضافةً إلى إنشاء محكمة مدنية متخصصة لمحاكمة جرائم القدح والذم وسائر الجرائم المرتكَبة عبر الوسائل الإعلامية، إلا أنّ هذه المكتسبات لم تكن كافية لتبديد المخاوف.
وفي تصريح لموقع “الدولة”، كشف المحامي فاروق المغربي عن إشكاليات جوهرية تعتري النص. فبحسب المغربي، استند القانون في تعريفه لخطاب الكراهية إلى خطّة عمل الرباط المنصوص عليها في المادة 104، وهي معايير دقيقة للغاية من حيث التطبيق. لكنّ الخطورة الأكبر، بحسب تعبيره، تكمن في الفقرة “ب” التي أُضيفت إلى هذه المادة، والتي تنص على معاقبة كل من يتعمد نشر الأخبار الكاذبة والتهويلية والتشهيرية. وأوضح المغربي أنّ الأخبار الكاذبة والتشهيرية هي في الأصل من قبيل الذمّ، وهو جرمٌ مدني بطبيعته، إلا أنّ هذه الفقرة حوّلته إلى جرمٍ جزائي.
ولم يسلم النص من إشكالية تقنية أخرى في المادة 105، التي تحيل، بحسب المغربي، إلى المواد من 385 إلى 389 المتعلقة بجرم “القدح والذم عبر وسائل النشر”. وأدّى ذلك، وفق شرحه، إلى ازدواجية قانونية تُبقي جرماً جزائياً بعنوان “القدح والذم عبر وسائل النشر” قائماً إلى جانب جرمٍ مدني منصوص عليه في القانون نفسه، إذ اقتصر التعديل على إلغاء الفقرة الثالثة من المادة 105 دون الفقرة الرابعة الخاصّة بالقدح والذم.

تطبيق “صعب جداً”

وقال المغربي، وهو أحد المشاركين في صياغة القانون: “طريقة التطبيق في الوقت الحالي ستكون صعبة جداً ودقيقة للغاية بسبب المادتين 104 و105… وقد أربكت هاتان المادتان جميع الإصلاحات في القانون”. وأضاف أنّ “الصرخة التي أُطلقت يحق للناس إطلاقها بالتأكيد”.
وختم بالإشارة إلى إصرار عدد من النواب على تجريم “الأخبار الكاذبة”، معتبراً ذلك تعبيراً عن عقلية تشريعية قديمة تتعارض مع أفضل الممارسات الدولية القائلة بعدم جواز حبس أي شخص بسبب رأيه.

ما الخطوات القادمة؟

وحول إمكانية إعادة النظر بالقانون، وما إذا كانت هناك وسيلة ضغط تتجاوز الاعتراض والطعن، أوضح المغربي أنّ الباب لا يزال مفتوحاً أمام التعديل، إذ يمكن الضغط من خلال نواب يتقدمون باقتراح تعديل للقانون، بما يفتح المجال أمام معالجة الثغرات التي أثارها الجسم الإعلامي.

 

إقرأ أيضاً: العفو العام يعبر البرلمان: سجالات طائفية وباب العودة يُفتح للمُبعَدين نحو إسرائيل