لم يعد علي الطاهر مجرّد تلّة على خريطة الجنوب، بل صار خطّاً فاصلاً: ما قبله ليس كما بعده. فالسؤال لم يعد من يسيطر على المرتفع، بل كيف ستذهب إسرائيل إلى حسم ما تحته من أنفاق وتحصينات، وكيف سينعكس ذلك على المفاوضات ومصير الجنوب.
سيطرة ميدانية… وتجميد سياسي
وفق تقرير نشره موقع “واللا” نقلاً عن مصادر أمنية إسرائيلية، باتت إسرائيل تسيطر على معظم مساحة مرتفع علي الطاهر بعد عملية عسكرية جرت على مراحل، لكنّها قرّرت تجميد المناورة التكتيكية عند مستواها الحالي بسبب الحساسية السياسية، ولا سيما تجاه الولايات المتحدة والمفاوضات الجارية مع لبنان. وهذا التجميد لا يعني الانسحاب، بل الإبقاء على القوات في المواقع التي سيطرت عليها وتطويق النقاط التي يُعتقد أنّ عناصر من حزب الله يتحصنون فيها.
رواية الأنفاق: ادعاء بلا دليل مستقل
هنا تحديداً تكمن أهمية التطور. فإسرائيل لا تبدو مستعجلة، في هذه المرحلة، لاقتحام المنشأة تحت الأرض. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن شبكة مستقلة من المنشآت تضم، بحسب ادعائها، مراكز قيادة وسيطرة ومستودعات وغرف إقامة ومخارج للعمليات…
وهذا يفسّر لماذا يبدو خيار الحصار أكثر ترجيحاً من التفجير الفوري. فقد أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأنّ عشرات العناصر يتحصنون داخل مجمع تحت علي الطاهر، وأنّ الجيش يحاصره منذ أسابيع من دون اقتحام أو تدمير واسع النطاق. وبمعزل عن دقة هذه الرواية، فإنّ استمرار الحصار بدلاً من النسف يشير إلى أنّ إسرائيل تريد أولاً استنفاد القيمة الاستخبارية والسياسية للموقع، ومعرفة ما إذا كان بالإمكان إنهاء المشكلة من دون خوض معركة داخل شبكة مجهولة البنية.
من مسيّرة ٢٩ تموز إلى تفجير الشقيف
أمّا التطور الذي أعاد إشعال الملف فكان استهداف آلية هندسية إسرائيلية بمسيّرة في منطقة علي الطاهر في ٢٩ تموز. إسرائيل اعتبرت الحادث خرقاً لوقف إطلاق النار، فيما كانت قواتها تنفذ أعمالاً هندسية في المنطقة. وبعد يومين تقريباً جاء التفجير الضخم الذي استخدمت فيه إسرائيل نحو ٧٠٠ طن من المتفجرات، لكن الهدف المعلن كان الأنفاق الواقعة تحت قلعة الشقيف، وليس أنفاق علي الطاهر. بل إنّ الجيش الإسرائيلي أكّد بالتوازي استمرار عملياته في مرتفعات علي الطاهر.
وهنا النقطة الحاسمة، فعلي الطاهر لم يُفجَّر على طريقة قلعة الشقيف. بل إنّ أحدث المعطيات تشير إلى أنّ إسرائيل اختارت حتّى الآن مزيجاً من السيطرة على الأرض، وتطويق المنشآت، والمراقبة، والعمل الهندسي التدريجي، مع إبقاء خيار التدمير الأوسع قائماً.
لكن لماذا؟
الملف الأمني كورقة تفاوضية
لأنّ علي الطاهر بات مرتبطاً مباشرة بالمعادلة السياسية للانسحاب. ففي ٣ آب، أشارت معطيات إلى أنّ إسرائيل أبلغت واشنطن بأنها لا تنوي تنفيذ انسحاب قبل استكمال خطتها الأمنية، وخصوصاً في علي الطاهر وأنفاقه. وفي المقابل، تؤكّد المعطيات الأحدث أنّ الحساسية الأميركية نفسها كانت أحد أسباب تجميد التقدّم الإسرائيلي. أي أنّ الموقع أصبح عملياً نقطة تقاطع بين الخطة العسكرية الإسرائيلية والضغط الأميركي والمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية.
وهنا تظهر المعادلة التي تحاول إسرائيل فرضها: لا يكفي الانسحاب من الأرض إذا بقيت تحتها بنية عسكرية قادرة على إعادة إنتاج التهديد. ولذلك تريد تل أبيب أن تجعل مصير المرتفع والأنفاق جزءاً من شروط أي ترتيبات أمنية مقبلة. وفي المقابل، فإنّ تفجيراً واسعاً الآن قد ينسف ليس الأنفاق فقط، بل أيضاً هامش المناورة السياسية في المفاوضات.
السيناريو المرجح: حصار قبل الحسم
لذلك يبدو السيناريو الأقرب في المدى القريب هو تثبيت السيطرة على معظم المرتفع، استمرار الحصار والمراقبة، استكمال المسح الهندسي والاستخباري، ثمّ اتخاذ قرار سياسي بشأن مصير المنشأة تحت الأرض. وقد يكون التفجير الواسع أحد الخيارات إذا اقتنعت إسرائيل بأنّ التدمير هو الطريق الوحيد لمنع إعادة استخدام الموقع، لكن المعطيات الحالية لا تسمح بالقول إنّ قراراً نهائياً بهذا الاتجاه قد اتُخذ.
علي الطاهرهو اختبار لمعادلة الجنوب كلها: هل تنسحب إسرائيل وتسلّم الأرض للجيش اللبناني، أم تحتفظ بمواقع استراتيجية إلى أن تحصل على ضمانات أمنية؟ وهل يكون مصير الأنفاق جزءاً من الحل، أم يتحول إلى سبب جديد لإطالة الاحتلال؟
ولهذا فإنّ تجميد التقدّم الإسرائيلي ليس نهاية المعركة حول علي الطاهر، بل ربما هو أخطر مراحلها: المرحلة التي تنتظر فيها إسرائيل ما إذا كان الحسم سيكون بالمتفجرات، أم بالتفاوض، أم بكليهما معاً.
إقرأ أيضاً: الذكرى أقوى من الاحتلال