يتصاعد الإهتمام التركي بلبنان وجنوبه على نحو يطرح أسئلة عن حدود هذا الدور وأهدافه الحقيقية. في هذا الحوار، يجيب الباحث السياسي المتخصص بالشؤون التركية محمود علوش عن سلسلة أسئلة تتناول رؤية أنقرة الأمنية لسوريا ولبنان، وموقعها من الفراغ الإيراني، ودورها المرتقب في ترتيبات ما بعد اليونيفيل، وعلاقتها بحزب الله وإسرائيل والولايات المتحدة.
بعد التحولات السورية وتصاعد الاهتمام التركي بلبنان وجنوبه، هل باتت أنقرة تتعامل مع سوريا ولبنان ضمن رؤية أمنية إقليمية واحدة؟ وما الذي تغيّر في حساباتها؟
تركيا تولي أهمية كبيرة للبنان على غرار سوريا وتتعامل معه بوصفه امتداداً جيوسياسياً طبيعيًا لسوريا وجزءًا من مُتطلبات أمنها القومي وطموحاتها الإقليمية. كما أنّ السياسة التوسّعية الإسرائيلية في المنطقة وفي جنوب لبنان وسوريا ساهمت بشكل كبير في تصميم هذه النظرة التركية للبنان. يعتقد الأتراك أنهم سيكونون الهدف التالي لإسرائيل إذا نجحت في فرض أهدافها التوسعية في لبنان وسوريا، ويبدو أنّهم مُحقّون في هذا الاعتقاد.
هل تسعى تركيا إلى ملء جزء من الفراغ الناتج عن تراجع النفوذ الإيراني، أم إلى بناء نموذج نفوذ مختلف يمنع احتكار أي قوة إقليمية للمشرق؟
جزئيًا نعم. هناك فراغ يتركه التراجع الإيراني في المنطقة وهذا التراجع أوجد هامشًا لتركيا للعب دور أكبر خصوصًا في سوريا ولبنان وبدرجة أقل في العراق. مع ذلك، يُدرك الأتراك أنّ عدم الاندفاعة لملئ هذه الفراغات ستوجد مشاكل كبيرة في المنطقة إن على مستوى استفادة إسرائيل من هذه الفراغات أو على مستوى مخاطر الفوضى وعودة الإرهاب.
في ظل تنامي التعاون التركي مع السعودية وقطر ومصر، واستمرار التنافس والتنسيق مع إيران، أين يقع المشرق، ولا سيما سوريا ولبنان، في الهندسة الإقليمية التي تبنيها أنقرة؟
جانب رئيسي من أزمة لبنان الحالية مُرتبط بالصراع على هويته الجيوسياسية ومكانه في التصميم الجديد للمنطقة. لم يعد لبنان جزءًا من النفوذ الإيراني كما كان في الماضي، لكنّه لم يُغادر بعد هذا النفوذ بالكامل. وهناك أطراف داخلية تدفع باتجاه سلام مع إسرائيل لاعتقاده بأنّ مصالح لبنان تكمن في العلاقة مع إسرائيل والغرب. وهناك المحور الإقليمي الجديد الناشئ في المنطقة وركيزته المملكة العربية السعودية وتركيا. وتسعى تركيا لأن يكون لبنان وسوريا جزءًا من هذا المحور.
عندما تتحدّث أنقرة عن “سوريا موحدة بجيش واحد”، هل تريد دولة سورية قوية وذات قرار مستقل، أم دولة تضمن أولًا مصالحها الأمنية والاستراتيجية؟
مصالح تركيا في سوريا تكمن في بناء دولة موحدة وقوية. النار في الجوار عادة ما تمتد إلى المنزل. لا يرغب الأتراك في رؤية دولة فاشلة في سوريا لأنّ العواقب ستكون كبيرة عليهم. مع ذلك، هم حريصون بالتأكيد على تعميق شراكتهم بسوريا الجديدة لتحقيق مصالحهم. إنهم شركاء موثوقون لسوريا.
إلى أي حد تستطيع أنقرة التأثير في القرار السوري الجديد؟ وهل يمكن أن تظهر تباينات بين الطرفين مع توسع دمشق في علاقاتها العربية والدولية؟
لدى أنقرة قدرة في التأثير الكبير على خيارات الشرع فيما يتعلّق بالمنطقة. وهناك انسجام تام بين الرئيسين في ملف لبنان. ما تُريده تركيا هو أن تلعب سوريا دورًا يُساعد في حل أزمة لبنان لا يُفاقمها. والنجاح هنا هو مفتاح لسوريا للتأثير في لبنان.
هل أصبح الوجود العسكري التركي في شمال سوريا ورقة تفاوضية لصفقة أمنية طويلة الأمد مع دمشق، أم أنّ الانسحاب التركي يبقى خيارًا واردًا ضمن ترتيبات أوسع؟
الوجود العسكري التركي في شمال سوريا لا يزال حاجة في الوقت الراهن لكل من تركيا وسوريا إلى حين استقرار الوضع الجديد تماماً وإزالة المخاطر نهائيًا لا سيما تلك المرتبطة بملف قسد وحزب العمال الكردستاني. وهناك مؤشرات تدعو للتفاؤل بخصوص التقدّم في هذين الملفين. لا تربط تركيا وجودها العسكري بصفقة طويلة الأمد مع دمشق. لكنّ مثل هذه الصفقة ستكون تحصيلاً حاصلاً.
إلى أي حد تستطيع تركيا تحقيق عودة واسعة ومستدامة للاجئين السوريين، في ظل الحاجة إلى التمويل الدولي والضمانات الأمنية والسياسية داخل سوريا؟
جانب من الاهتمام التركي في سوريا يتركز على دعم البنية الاقتصادية للبلاد لأنه بدون تنمية اقتصادية لا يُمكن أن يعود اللاجئون إلى سوريا بشكل مستدام ولا يُمكن أن يتحقق الأمن المستدام. هذا منطق تركيا في التعامل مع الصراعات. الاقتصاد بوابة للأمن والسياسة. لذا، يُركّز الأتراك على المشاريع الاقتصادية في سوريا.
لماذا رفعت أنقرة مستوى اهتمامها بأمن لبنان وجنوبه في هذا التوقيت؟ وما الذي تغيّر في حساباتها؟
تركيا تطمح على ما يبدو إلى أن يكون لها وجود في أي ترتيب عسكري دولي في جنوب لبنان على غرار غزة. الأمر سيكون مُعقّداً بعض الشيء لأنّ إسرائيل ستُعارض مثل هذا الدور كما عارضته في غزة. مع ذلك، الموقف الأمريكي من مثل هذا الدور هو الذي سيحسم فرصه. لدى إسرائيل الكثير من الهواجس من أي حضور تركي في لبنان وليس فقط في المعادلات الأمنية المستقبلية للجنوب للبنان. هذا أسوأ ما يُمكن أن يتوقّعوه. فهم يرون في تركيا خطرًا جديدًا عليهم وهي تتوسع في المنطقة.
أعلن أردوغان استعداد تركيا للمشاركة في ترتيبات ما بعد اليونيفيل. ما الدور الذي تطمح إليه أنقرة: أمني، عسكري، تقني، أم مرتبط بإعادة الإعمار؟
تركيا منخرطة فعلاً في دعم الجيش اللبناني ومستعدّة لتوسيع هذا الانخراط بالفعل. ويُمكن أن تُقدّم الكثير للجيش. فهي قوة دفاعية كبيرة. الأمر يتوقف على قرار سياسي لبناني.
كيف ستوازن تركيا بين دعم الدولة وحصرية السلاح وبين تجنب تحويل حضورها في لبنان إلى مواجهة مع حزب الله؟ وهل تحتاج إلى قنوات تواصل معه؟
تركيا تدعم الدولة اللبنانية وتدعم حلاً سياسيًا داخليًا في لبنان يُحقّق هدف حصر السلاح بيد الدولة وليس تدخّلات خارجية ستؤدّي حتماً إلى مفاقمة الأزمة. الأتراك يحثّون الشرع على لعب دور يدفع باتجاه الحل السياسي، والمبادرة السورية في لبنان هي تصميم تركي أيضًا. حزب الله مُشكلة لسوريا ولمشروع الدولة في لبنان، لكنّه واقع لا يُمكن تجاوزه. وكما هو جزء من المشكلة، فهو جزء من الحل. علاوة على ذلك، لا يُريد الأتراك أن يروا إسرائيل تستفيد من أي اضطراب كبير في لبنان. لديهم حساسية شديدة تجاه ذلك.
هل تسعى تركيا إلى ربط لبنان بشبكة نقل وطاقة وتجارة تمر عبر سوريا وتركيا، وما موقع مرفأ طرابلس وإعادة الإعمار في هذه الرؤية؟
نعم، مشروع الربط الاقتصادي الإقليمي هو أداة تركيا الجديدة لتحقيق مزيد من النفوذ في المنطقة. إشراك لبنان فيه يعني امتداد النفوذ التركي له. هذه القوة الناعمة. مرفأ طرابلس هو الامتداد البحري الطبيعي بالنسبة لسوريا، وسيلعب دورًا أساسياً في عملية إعادة إعمار سوريا.
مع اعتبار أنقرة العمليات الإسرائيلية في سوريا ولبنان تهديدًا لمصالحها، هل تملك أدوات ردع فعلية، أم سيبقى موقفها ضمن الدبلوماسية مع تجنب مواجهة مباشرة مع إسرائيل؟
قدرة تركيا على ترجمة سياساتها تجاه التهديدات الإسرائيلية في لبنان وسوريا إلى خطوات على الأرض تتوقّف على تعزيز حضورها في البلدين. هذا ما تفعله. كلما عزّزت أنقرة حضورها كلما ازدادت قدرتها في التأثير على السلوك الإسرائيلي في لبنان وسوريا.
هل ما نشهده توسع تركي تكتيكي فرضته الظروف، أم مشروع طويل الأمد لإعادة تموضع أنقرة كقوة مركزية في المشرق؟ وما المؤشرات التي ستكشف اتجاه هذا المشروع خلال المرحلة المقبلة؟
هذا عصر تركيا في الشرق الأوسط. لقد فتحت سوريا بابًا كبيرًا أمامها. إنها تُضاعف تأثيرها في كل مكان تقريبًا وهذا ما يُقلق إسرائيل بشكل خاص. لا تلعب تركيا هذا الدور الجديد لظروف مؤقتة. فهي جزء من هذه المنطقة، ومصالحها الأمنية والجيوسياسية والجيواقتصادية تعمّق ارتباطها بالمنطقة مقارنة بالعقود السابقة.