سبع سنوات لم تكفِ لمحاسبة رجل استقال تحت وطأة فضيحة وطنية. لكنها كفت تماماً ليعود إلى الكرسي نفسه، ثم يُكافأ برئاسة أخطر مؤسسة اجتماعية في لبنان. بشارة الأسمر لا يسقط، هو فقط يتغيّر موقعه على الطاولة.
بعد شغور طويل في مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، انتُخب رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر رئيساً له. في بلد أنهكت مؤسساته المحاصصة، قد يبدو ملء الشغور خبراً جيداً. لكن عندما يكون الاسم بشارة الأسمر، يصبح السؤال مشروعاً: هل يجب أن نفرح؟
لم يصل إلى موقعه الجديد من مسيرة نقابية هادئة… قبل سبع سنوات فقط، سقط من أعلى الهرم النقابي تحت ضغط فضيحة وطنية انتهت بتوقيفه واستقالته من رئاسة الاتحاد العمالي العام. لكنه عاد. عاد إلى الاتحاد، وأعيد انتخابه، واستمر في موقعه رغم اعتراضات وطعون وأسئلة لم تتوقف حول بنية الاتحاد الذي يرأسه، ليصل اليوم إلى رئاسة مجلس إدارة واحدة من أكثر المؤسسات الاجتماعية حساسية في لبنان.
كيف انتقل بشارة الأسمر من الاستقالة تحت ضغط الفضيحة إلى منصب جديد في الضمان؟ وماذا في سجله النقابي يجعل الدولة تكافئه اليوم بمزيد من المسؤولية؟
هي أسئلة نحاول الإجابة عنها، بالعودة إلى محطات الرجل والاتحاد الذي يرأسه… نذكرها كما وردت في ذاكرة الصحافة اللبنانية، من دون أن نتبناها.
لا مانع قانوني
يؤكد مصدر نقابي وقانوني مطّلع لـ”الدولة” أنه لا يوجد، من الناحية القانونية، ما يمنع انتخاب الأسمر في منصبه الجديد.
لكن المسألة، بالنسبة إليه، لا تنتهي عند حدود القانون.
ففي مرحلة يُفترض أن يؤسس فيها لبنان لنهج مختلف عن مرحلة التسويات والمحاصصات التي أوصلته إلى أزماته، يسأل المصدر: هل يكفي أن يكون التعيين قانونياً حتى يصبح مقبولاً سياسياً وأخلاقياً؟
ويقول: “كل شخصيات المرحلة الماضية يجب أن تتحاكم، أو أقلّه تتقاعد في بيتها، لا أن تترقّى وتأخذ مناصب جديدة”.
ثم ينتقل إلى السؤال: “أين هو الاتحاد العمالي العام؟ وهل هناك فعلاً اتحاد عمالي عام في لبنان؟”
وبرأيه، أزمة الاتحاد التي بدأت بتعاقب وزراء العمل البعثيين والقوميين، حين تحوّل، بحسب توصيفه، من مظلة مستقلة للعمال إلى جسم تتنازعه القوى السياسية وتستخدمه السلطة عند الحاجة.
ويقول: “صار الاتحاد العمالي العام لافتة تعلّقها قوى الممانعة والسلطات المتعاقبة فوق رؤوس مجموعة أشخاص. عندما يريدون إقفال الطرقات للضغط السياسي يفعلون، لا من أجل الحقوق”.
ويضيف: “لا خطاب عمالي حقيقي في لبنان ولا مصلحة عمالية يجتمعون للدفاع عنها. كل ما في الأمر تنفيذ أجندات سياسية، عدا عن تفريخ الاتحادات الوهمية… هو ملف تحيط به تساؤلات كبيرة، ونموذج من نماذج فساد السلطة منذ أيام السوريين وما بعدهم”.
ومن هنا يطرح المصدر السؤال الذي نحاول الإجابة عنه في هذا التقرير: “ماذا فعل بشارة الأسمر في الاتحاد العمالي العام حتى تتم مكافأته بمنصب جديد؟”
2017… بداية الصعود
وصل الأسمر إلى رئاسة الاتحاد العمالي العام عام 2017 خلفاً لغسان غصن، داخل مؤسسة كانت الأسئلة حول استقلاليتها السياسية قد سبقت وصوله إليها.
فتقارير ودراسات نقابية وصحافية كثيرة تحدثت على مدى سنوات عن حضور الأحزاب داخل تركيبة الاتحاد واتحاداته، وعن توزيع مواقع ونفوذ بين القوى السياسية والطائفية.
ولم تختفِ هذه الصورة في عهد الأسمر. بل تكرّست. ففي انتخابات 2021 مثلاً، ضمت لائحته ممثلين عن حركة أمل وحزب الله والحزب السوري القومي الاجتماعي وتيار المستقبل والمردة وتيار العزم.
لكن المحطة التي كادت تنهي مسيرته لم تكن نقابية ولا عمالية.
2019… سقطة وطنية وسجن
في أيار 2019، وقبيل مؤتمر صحافي، التقط تسجيل كلاماً ساخراً ومسيئاً صدر عن الأسمر بحق البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير.
تحولت “زلة اللسان” سريعاً إلى قضية وطنية. أوقف القضاء الأسمر، وقبلت هيئة مكتب الاتحاد العمالي العام استقالته، ليتولّى نائبه حسن فقيه المسؤولية من بعده.
لكن الفضيحة فتحت باباً آخر لم يكن مرتبطاً بما قاله الأسمر، بل بوظيفته وعقده في إهراءات مرفأ بيروت.
فبعد توقيفه، أعلن وزير الاقتصاد والتجارة آنذاك منصور بطيش أن الوزارة ستفسخ عقده في الإهراءات “بعد سقطته الأخلاقية المستهجنة وتوقيف القضاء له”.
علماً أن وزير الاقتصاد الأسبق رائد خوري قد قال إن الأسمر موظف في الإهراءات لكنه لا يداوم، فيما رد الأسمر بأنه ليس موظفاً، بل مقدم خدمات بموجب عقد لتقديم خدمات طبية.
وذهبت تقارير صحافية في حينه أبعد من ذلك، فتحدثت عن عقد يتقاضى الأسمر بموجبه مبالغ شهرية من دون حضور فعلي إلى مركز العمل. إلا أن هذه الاتهامات بقيت صحافية، ولم يعثر “الدولة” على مستند رسمي منشور أو حكم قضائي يثبت الواقعة.
لكن السؤال: إذا كان العقد يستدعي الفسخ، فلماذا لم يُفتح ملفه إلا بعد فضيحة صفير؟
سقط… ثم عاد
كان يمكن لعام 2019 أن يكون نهاية المسيرة. لكنه لم يكن كذلك. فبعد نحو 14 شهراً فقط من استقالته، عاد بشارة الأسمر إلى رئاسة الاتحاد العمالي العام.
وتحدثت تقارير صحافية في حينه عن مساعٍ واتصالات سياسية سبقت عودته، إضافة إلى مصالحة مع بكركي، في مشهد أعاد طرح السؤال عن حجم الدور السياسي والطائفي في صناعة قيادة الاتحاد.
بمعنى آخر، الرجل الذي خرج تحت ضغط قضية هزّت موقعه العام، عاد إلى الكرسي نفسه.
لكن العودة لم تكن نهاية الأسئلة.
انتخابات 2021: طعون وأسئلة بلا جواب
في كانون الأول 2021، وفي عزّ أحد أسوأ الانهيارات الاقتصادية في تاريخ لبنان، أعاد الاتحاد انتخاب قيادته.
شارك في الاقتراع ممثلو 35 اتحاداً من أصل 52، وفازت لائحة الأسمر. لكن الانتخابات لم تمر من دون اعتراض.
تقدم المرشح بول إسطفان بمراجعة أمام وزارة العمل، طاعناً بأهلية أربعة من الفائزين، بينهم الأسمر، ومتهماً إياهم بعدم إجراء الانتخابات المطلوبة في نقاباتهم أو اتحاداتهم قبل المشاركة في انتخابات الاتحاد العمالي العام.
وطلب إسطفان الحصول على محاضر الانتخابات الداخلية منذ عام 2018، ثم لجأ إلى قاضي الأمور المستعجلة بعدما لم يحصل عليها. ولا أحد يعلم ما الذي حلّ بالطعن من بعدها.
ربما هذه الوقائع لا تعني أن المخالفات ثبتت قضائياً، ولا أن انتخاب الأسمر أُبطل. لكنها تعني أن انتخاب قيادة يفترض أنها تمثل عمال لبنان كان محاطاً بأسئلة قانونية ونقابية جدّية.
وهنا نصل إلى ملف أكبر من بشارة الأسمر نفسه.
“النقابات الوهمية”… والأسمر يقرّ
لسنوات، طارد الاتحاد العمالي العام ملف ما يعرف بـ”تفريخ النقابات والاتحادات الوهمية”، وهو أجسام نقابية محدودة التمثيل أو متهمة بأنها أُنشئت لخدمة التوازنات السياسية والانتخابية داخل الاتحاد أكثر مما أُنشئت لتمثيل قواعد عمالية فعلية.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن الوزن داخل الاتحاد لا يعكس بالضرورة حجم القاعدة العمالية التي يمثلها كل اتحاد، ما يفتح الباب أمام تأثير اتحادات صغيرة في صناعة القيادة والقرار النقابي.
واللافت أن الأسمر نفسه لم ينكر وجود الظاهرة.
فعندما أثير الملف على هامش الطعن بانتخابات 2021، قال إن الاتحادات والنقابات الوهمية “موجودة في الموالاة والمعارضة”، واتهم في المقابل أشخاصاً بتقديم أنفسهم كنقابيين رغم أنهم، بحسب قوله، ليسوا عمالاً.
وهنا تكمن المفارقة. فرئيس الاتحاد يقر بوجود نقابات واتحادات وهمية داخل الجسم الذي يرأسه، لكن ما الذي فعله لمحاربة هذه البنية التي استمرت في عهده، واستمرت معها الأسئلة حول مدى تمثيل الاتحاد الحقيقي للعمال.
وظهرت على مر السنوات أسماء اتحادات محدودة القاعدة، وأخرى تضم نقابات من قطاعات ومهن متباعدة، في ظاهرة لا يتحمل الأسمر وحده مسؤولية نشأتها، إذ تعود جذورها إلى مراحل سبقت رئاسته، لكنه تولى قيادة الاتحاد سنوات طويلة من دون أن يحاول حلّ المشكلة التي أقرّ بنفسه بوجودها.
من الاتحاد إلى الضمان
رغم كل ذلك، بقي الأسمر. عبر الانهيار المالي، وانهيار الأجور، وتآكل القدرة الشرائية، بقي رئيساً للاتحاد ومفاوضاً باسم العمال في ملفات الحد الأدنى للأجور والتقديمات الاجتماعية وغيرها.
واليوم ينتقل إلى محطة جديدة: رئاسة مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
من الناحية القانونية، لا مانع. لكن السياسة لا تُقاس دائماً بما يمنعه القانون وحده.
فالرجل الذي استقال عام 2019 تحت وطأة فضيحة وطنية عاد إلى الاتحاد، ثم بقي في رئاسته وسط طعون وأسئلة عن بنيته وتمثيله، ليصل بعد سبع سنوات إلى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة تمسّ صحة وشيخوخة وتعويضات ومستقبل مئات آلاف اللبنانيين.
فكيف ولماذا عاد بشارة الأسمر؟
وكيف سمحت المنظومة نفسها بالسقوط والعودة والترقية، من دون أن تُحسم الأسئلة التي رافقت كل مرحلة؟
في النهاية قد تكون قصة بشارة الأسمر أكبر من بشارة الأسمر نفسه، قصة منظومة نقابية وسياسية تعرف كيف تتجاوز فضائحها، وتعيد إنتاج قياداتها، ثم تنقلها من كرسي إلى آخر.
أما عمال لبنان، الذين يُفترض أن يكونوا أصل الحكاية، فماذا تغيّر في حياتهم حتى تكون هذه الترقية مستحقّة؟
إقرأ أيضاً: تلة علي الطاهر ليست خط النهاية.. فماذا بعدها؟