تعميم أصدره اللواء حسن شقير يطلب من عناصر الأمن العام الابتسام بوجه العائدين والمسافرين في المطار، لكنه في جوهره أبعد من توجيه إداري: إنه إشارة إلى تحوّل في وظيفة الجهاز ذاته، من الرقابة والترهيب إلى الخدمة.
من الملاحقة إلى الخدمة
لعقود، ارتبطت صورة الأمن العام في الذاكرة اللبنانية بالتحقيق والاستدعاء أكثر منها بالترحيب والمساعدة. جيل كامل من اللبنانيين يتذكر كيف كانت أجهزة الدولة، ومنها الأمن العام في فترات معينة من تاريخه، أداة لملاحقة المعارضين السياسيين والتضييق على الناشطين، بدل أن تكون أداة حماية للمواطن العادي العائد من غربته أو الزائر القادم إلى بلده. في هذا السياق، يأتي تعميم اللواء شقير ليقول شيئاً بسيطاً في الشكل، عميقاً في المضمون: مهمة الجهاز اليوم هي حماية أمن المواطنين ومساعدتهم، بدلا من التجسس عليهم أو تخويفهم.
ابتسامة ليست شكلية
قد يبدو للوهلة الأولى أن طلب الابتسام من موظف في المطار أمر بروتوكولي عابر، من نوع “خدمة العملاء” الذي تعتمده أي مؤسسة حديثة. لكن حين يصدر هذا الطلب عن جهاز أمني بحجم الأمن العام اللبناني، وفي بلد يحاول الخروج من سنوات الحرب والنزوح والخوف، فإن دلالته تتجاوز حسن الاستقبال.
نحن أمام محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة: أن يشعر اللبناني العائد من المطار، بعد غياب طويل أو رحلة اضطرارية بسبب الحرب، أنه يدخل بلداً يستقبله بابتسامة لا باستجواب، وأن الموظف الذي أمامه شريك في حمايته وفريب منه وليس خصماً محتملاً له.
تغيير في العقلية لا في الديكور
لا يمكن قراءة هذا التعميم بمعزل عن السياق الأوسع الذي يحكم عمل الأجهزة الأمنية اليوم. فالمطلوب ليس ابتسامة موظف بمفرده أمام كاميرا أو زائر عابر، بل تغييراً في عقلية الجهاز وسلوكه وأولوياته ككل. وها هو جهاز أمني يعيد ترتيب أولوياته بحيث تتقدم خدمة المواطن على الرقابة.
إذاً هو جهاز يعيد تعريف دوره في الدولة. وهذا بالضبط ما تحاول القيادة الجديدة برئاسة العماد جوزاف عون ورئاسة الحكومة نواف سلام أن تبنيه: مؤسسات أمنية ترى في المواطن شريكاً تحميه، لا ملفاً تراقبه كما كان الحال في العهود السابقة.
رمزية تتجاوز المطار
اختيار المطار تحديداً لإطلاق هذه الرسالة ليس عشوائياً. فالمطار هو نقطة التماس الأولى بين اللبناني المغترب أو السائح الأجنبي وبين الدولة اللبنانية… هو الانطباع الأول الذي يحمله كل عائد أو زائر عن البلد بأسره. حين يبتسم موظف الأمن العام في وجه المسافر بدل أن يستقبله بنظرة الشك المعتادة، فإن الرسالة تصل أبعد من صالة الوصول: إنها تقول إن لبنان الذي كان يُختصر أحياناً بصورة القمع والفساد وأجهزة الوصاية، يحاول اليوم أن يقدّم وجهاً آخر لنفسه، وجهاً يليق بدولة تعيد بناء ثقة مواطنيها بها بعد سنوات من الانهيار والحرب.
اختبار الاستمرارية
يبقى السؤال الحقيقي ليس في التعميم نفسه، بل في قدرة الأجهزة الأخرى على تعميم هذا السلوك،
لانّ الابتسامة وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها إصلاحات في آليات العمل داخل كلّ الأجهزة والإدارات الرسمية، وتقليص للبيروقراطية، ووقف نهائي لأي ممارسات تعيد إنتاج ثقافة الترهيب القديمة.
لكن كخطوة أولى، ومن موقع جهاز يملك تاريخاً ثقيلاً من الشكوك، فإن تعميم اللواء شقير يستحق أن يُقرأ كإشارة إيجابية إلى أن السلطة الجديدة في لبنان تحاول، ولو بخطوات صغيرة، أن تساعد اللبنانيين على نسيان ظلام مرّ طويلاً في عهد حكومات وقادة أجهزة سابقين.