عندما يستعير “الأب الروحي للذكاء الاصطناعي” صورة الدجاجة ليصف مصير الإنسان، فهو يطرح سؤالا وجوديا: كيف نبقى أسياد قرارنا أمام ذكاء يفوقنا فهما وتخطيطا؟
تشبيه لا يشبه هوليوود
حين يشبّه جيفري هينتون مصير الإنسان بمصير الدجاجة، فهو لا يطلق استعارة عابرة، بل يطرح سؤالا وجوديا: ماذا يحدث حين يعجز صاحب القرار عن فهم من يقرر مصيره؟
هينتون، العالِم البريطاني-الكندي الذي يُنسب إليه فضل إرساء الأسس النظرية لثورة التعلم العميق، لا يميل إلى السيناريوهات التي تُصوّر نهاية البشرية على شكل جيش من الروبوتات المتمردة. تحذيره أكثر هدوءا، وأكثر إقلاقا في آن: ذكاء اصطناعي يُستخدم لشنّ هجمات سيبرانية مدمّرة، أو يُسخَّر — عن قصد أو بغير قصد — في هندسة فيروسات قاتلة تفلت من كل سيطرة.
حين يتجاوز الذكاء الاصطناعي فهمنا
الخطر الأعمق، بحسب هينتون، ليس في الاستخدام السيئ فحسب، بل في طبيعة الفجوة نفسها. فحين تتجاوز أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرة الإنسان على التفكير والتخطيط، فإنها قد تبتكر طرقا لإلحاق الضرر لم تخطر يوما على بال أحد.
الإنسان في موقع الدجاجة
وهنا يستدعي هينتون تشبيهه الصادم: العلاقة بين الإنسان والدجاجة. فالدجاجة لا تفهم، ولا تستطيع أن تفهم، ما يخطط له الإنسان تجاهها — ليس لأنها غبية، بل لأن الفجوة المعرفية بينهما هائلة إلى حد يجعل أي تفاهم مستحيلا. وهذا بالضبط ما يخشاه هينتون: أن يجد البشر أنفسهم يوما في موقع الدجاجة، أمام كيان أذكى منهم بمراحل، عاجزين عن توقّع خطواته أو ضمان بقائه تحت سيطرتهم.
السؤال الحقيقي ليس المنع بل الرغبة
ولذلك، يُعيد هينتون صياغة السؤال المركزي في هذا النقاش. فالمسألة، كما يراها، ليست فيما إذا كان بإمكاننا منع الذكاء الاصطناعي من إيذائنا إن أراد ذلك — فهذا رهان خاسر أمام كيان يفوقنا ذكاء. السؤال الحقيقي هو: كيف نجعله، من الأساس، لا يريد إيذاءنا؟
وهنا يكمن جوهر التحدي الذي يواجه مطوّري الذكاء الاصطناعي اليوم: لم يعد الأمر متعلقا فقط بضبط القدرات التقنية لهذه الأنظمة، بل بضمان أن تكون أهدافها ونواياها — إن جاز التعبير — متوافقة مع بقاء الإنسان نفسه. وهي مهمة لم يُحسم بعد ما إذا كانت ممكنة أصلا قبل فوات الأوان.