قبل أن ينطق بنيامين نتنياهو بكلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كانت عشرات الوفود قد قالت موقفها: مغادرة القاعة..
احتجاج ديبلوماسي
لم تكن المغادرة إعلاناً بعزل إسرائيل، ولا قراراً بقطع العلاقات معها. لكنه كان احتجاجاً دبلوماسياً بالغ الوضوح، حوّل المقاعد الفارغة إلى الرسالة التي سبقت الخطاب وطغت على جزء كبير منه.
وبحسب إحصاء أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، كانت مقاعد ٧٧ بعثة شاغرة أثناء الخطاب، لكن الرقم يحتاج إلى تدقيق: فهو يجمع بين بعثات غادرت عند بدء الكلمة وأخرى لم تكن موجودة أصلاً في القاعة. لذلك لا يصح تقديم الواقعة باعتبارها ٧٧ مقاطعة موحدة، ولا باعتبارها عزلة إسرائيلية كاملة. وفي المقابل، بقيت بعض الوفود في القاعة.
لكن من الصعب أيضاً اعتبار ما حدث تفصيلاً بروتوكولياً عابراً. فنتنياهو احتاج إلى نحو ٤١ دقيقة لشرح روايته، بينما احتاجت الوفود إلى لحظات قليلة لصناعة صورة اختصرت كثيراً مما أراد قوله.
حين يصبح الغياب بياناً
في الدبلوماسية، المقعد الفارغ ليس قراراً قانونياً، لكنه ليس بلا معنى. الحضور والغياب، المصافحة والمقاطعة، الجلوس والاستدارة نحو الباب، كلها جزء من اللغة السياسية إلى جانب البيانات الرسمية.
لم تغادر كل الوفود، ولم تختفِ الولايات المتحدة من القاعة، ولم تتحول إسرائيل إلى دولة مقطوعة الصلات بالعالم. لكن الكاميرات ووسائل الإعلام الدولية سجلت شيئاً مختلفاً قبل أن تصل حجة نتنياهو إلى جمهورها: صفوف واسعة من المقاعد الخالية أمام المنبر.
فالفراغ أمام المنبر كان لقطة قابلة لإعادة النشر والاختزال في عنوان واحد: وفود تغادر بينما يتحدث نتنياهو. فالخطاب يحتاج إلى الاستماع كي يُفهم، أما اللقطة فتصل فوراً.
نتنياهو تحدّث دفاعاً عن العمليات الإسرائيلية في المنطقة، ورفض الاتهامات المتعلقة بالحرب في غزة، وهاجم منتقديه، وربط إسرائيل بمواجهة أوسع مع إيران وحماس وحزب الله. كما حاول تقديم العمليات الإسرائيلية باعتبارها دفاعاً عن النفس في مواجهة تهديدات إقليمية. لكن الاحتجاج سبق كل ذلك، وكان المشهد أقوى من الخطاب.
عزلة دبلوماسية لا استراتيجية
هنا يجب التمييز بين مستويين كثيراً ما تختلط بينهما القراءة السياسية:
عزلة دبلوماسية متزايدة: يمكن رصدها في حجم الانتقاد الدولي لحكومة نتنياهو وفي المشاهد الرمزية كالانسحاب من القاعة.
عزلة استراتيجية: تعني فقدان الدولة لشبكة تحالفاتها وقدرتها على الحصول على الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي. وهذه لم تحدث، على الأقل حتى الآن.
فالولايات المتحدة ما زالت شريكاً أساسياً لإسرائيل، وهو ما يمنع تحويل مشهد الأمم المتحدة إلى دليل على قطيعة استراتيجية كاملة. لكن استمرار الدعم الأميركي لا يلغي اتساع الفجوة السياسية مع دول أخرى، ولا يعوض تلقائياً عن تراجع القبول العلني في أوروبا والمنابر الدولية.
وهذا هو الفارق الذي يجعل المشهد مهماً من دون أن يجعله أكبر من حجمه.
نتنياهو يعيد تأطير المشهد
لم يتجاهل نتنياهو الانسحاب، بل هاجم الذين غادروا، وقدّم إسرائيل باعتبارها دولة تقاتل دفاعاً عن نفسها وعن أمن دول أخرى.
بدلاً من سؤال: لماذا غادرت هذه الوفود؟ حاول أن يفرض سؤالاً آخر: لماذا يعارض العالم دولة تقول إنها تدافع عنه؟
وهذه الرسالة لا تستهدف الخارج فقط، فالانتخابات الإسرائيلية مقررة في ٢٧ تشرين الأول، وجاء الخطاب قبل نحو شهر منها، وسط منافسة سياسية غير محسومة. وبحسب تقارير دولية وإسرائيلية، يأتي الخطاب في وقت يواجه فيه نتنياهو ضغوطاً متزايدة بينما يخوض معركة إعادة انتخابه.
فالأمم المتحدة لم تكن في تلك اللحظة منبراً دولياً فقط، بل شاشة انتخابية تصل مباشرة إلى البيوت الإسرائيلية.
وهنا يمكن قراءة المشهد بطريقتين متناقضتين: قد يراه أنصار نتنياهو دليلاً على أنّ إسرائيل تواجه عالماً معادياً وأنّ التشدّد هو الرد المناسب، فيما يستخدمه خصومه للقول إنّ سياسات الحكومة أوصلت إسرائيل إلى هذا القدر من الرفض الدولي.
الصورة لا تحسم أيّاً من القراءتين، لكنها تمنح الطرفين مادة سياسية قوية.
من المقاعد الفارغة إلى السياسات
المشكلة الحقيقية لا تبدأ من المقاعد الفارغة، بل مما إذا كانت هذه المقاعد ستتحول إلى سياسات. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
إذا بقي الانسحاب في حدود الاحتجاج الرمزي، فسيبقى تأثيره الأساسي دبلوماسياً وإعلامياً. أما إذا ترافق مع إجراءات عملية، فسيصبح جزءاً من مسار أوسع.
ولمعرفة ذلك، يجب مراقبة ثلاثة مؤشرات:
هل تتوسع الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية؟
هل تتحول إجراءات المستوطنات إلى قيود تجارية ومالية أوسع؟
هل تتغيّر شروط التعاون السياسي والأمني والتجاري مع إسرائيل، ولا سيما في أوروبا؟
عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كانت المقاعد الفارغة مجرد لقطة قوية، أم علامة على تحول سياسي أعمق.
فلسطين ولبنان
فلسطينياً: يمنح الانسحاب الرواية الفلسطينية مكسباً معنوياً واضحاً، لكنه يظل محدود الأثر ما لم يتحول إلى سياسات تتصل بالحرب والمساعدات والتهجير والاستيطان والمسار السياسي.
لبنانياً: لم يكن استحضار نتنياهو لحزب الله وإيران والبيجر نقاشاً مستقلاً حول لبنان، بل جزءاً من رواية أوسع تقدّم إسرائيل باعتبارها تخوض مواجهة إقليمية متعددة الجبهات. وهو إطار يُدرج لبنان في الحسابات الإسرائيلية للمواجهة مع إيران، أكثر مما يتعامل معه كملف مستقل له تعقيداته الداخلية.
صورة أو ضغوط مستقبلية ملموسة؟
لم تُعزل إسرائيل عن العالم في تلك اللحظة، ولم تتحول مغادرة الوفود إلى قرار أممي أو عقوبات فورية. كما أنّ نتنياهو لم يتحدّث إلى قاعة خالية، ولم يفقد حلفاءه الأساسيين.
لكن قبل أن يتكلّم نتنياهو، تكلمت القاعة بلغتها الخاصة: وفود غادرت، ومقاعد بقيت فارغة، وكاميرات نقلت الرسالة إلى العالم.
قد يحوّل نتنياهو ذلك إلى خطاب انتخابي عن “العالم ضدنا”، لكن الدولة لا يمكنها، على المدى الطويل، إدارة علاقاتها الدولية بالمنطق الانتخابي نفسه.
والسؤال ليس كم مقعداً كان خالياً، ولا كم دقيقة استغرق الخطاب، بل ما إذا كانت المقاعد الفارغة ستبقى رمزاً أم ستتحول إلى قرارات.
إذا بقيت لقطة، فستبقى لقطة. أما إذا تلتها سياسات وضغوط ملموسة، فلن تكون المقاعد الفارغة مجرد صورة، بل بداية كلفة سياسية تتجاوز القاعة التي غادرتها الوفود
إقرأ أيضاً: رضوان مرتضى يعترف: نعم حاورتُ إسرائيليين… لكن عبر وسيط