تحرص الدولة على أن تصرف معاشاً تقاعدياً لمن يتّهمها بخراب لبنان. فالشيخ علي الخطيب يدير مؤسسة تموّلها الخزينة بالمليارات، ويستخدم منبرها لتعبئة طائفته ضد قرار الدولة بحصر السلاح. فهل تكافئ الحكومة خصومها، أم أنها لا تقرأ ما يقولونه عنها؟
معاشٌ للمرجعيات… وتقسيطٌ للموظفين
تستعدّ الدولة اللبنانية، وهي تقسّط زيادات رواتب موظفيها وعسكرييها وتؤجّل حقوق متقاعديها، لمنح رؤساء الطوائف الإسلامية الأربع معاشاً تقاعدياً من المال العام. فقد أُحيل إلى مجلس النواب مشروع قانون معجّل مكرّر يمنح الرؤساء الروحيين للطوائف السنية والشيعية والدرزية والعلوية معاشاً تقاعدياً. وتتحدث أسبابه الموجبة، كما نقلتها “المدن”، عن “فجوة كبيرة” بين الموقع الاعتباري لرئيس الطائفة وواقعه المالي، وعن أعباء استقباله الدائم للناس.
لكنّ السؤال الذي يتجاهله المشروع أبسط من ذلك وأخطر: هل يخدم هؤلاء الدولة التي تدفع لهم، أم يخدمون الأحزاب المذهبية التي تُمسك بمجالسهم، فيستخدمون منابرهم لتحريض طوائفهم على الدولة نفسها؟
ماذا يأخذون من الدولة؟
قبل المعاش، هناك ما يُدفع اليوم. فبحسب الأرقام التي نشرتها “المدن”، رصدت موازنة 2026 مخصّصات مباشرة للمؤسسات المذهبية الأربع:
- نحو 77 مليار ليرة لدار الفتوى
- نحو 34.3 مليار ليرة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى
- نحو 53 مليار ليرة للمجلس المذهبي الدرزي
- نحو 160 مليون ليرة للمجلس الإسلامي العلوي
يُضاف إلى ذلك القانون 210/2000، الذي يُعفي الطوائف وأشخاصها المعنويين من الضرائب والرسوم التي تُعفى منها المؤسسات العامة، كما يُعفى رجال الدين التابعون لهذه المؤسسات من ضريبة الدخل على الرواتب.
في المقابل، ما زال قانون التقاعد والحماية الاجتماعية 319/2023، الذي يُفترض أن يمنح الموظفين المضمونين معاشاً تقاعدياً، معلّقاً بلا تطبيق. أي أنّ الدولة تتذكّر تقاعد رؤساء الطوائف قبل تقاعد مواطنيها.
علي الخطيب: من مال الدولة إلى منبر “الخراب“
يقف الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ورئيسه بالإنابة، على رأس مؤسسة تتلقى من موازنة الدولة نحو 34 مليار ليرة سنوياً. ويُفترض أن تكون هذه المؤسسة، كما أرادها مؤسّسها الإمام موسى الصدر، جسرَ الطائفة إلى الدولة.
غير أنّ الخطيب اختار موقعاً آخر. فحين كانت الحكومة تستعدّ لمناقشة خطة الجيش لحصر السلاح، دعاها إلى عدم المضيّ في قرارها، وتوجّه إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بتمنٍّ يشبه الإنذار: ألّا يكتبا على نفسيهما أنهما كانا سبباً في خراب لبنان.
رجلُ دين على رأس مؤسسة تموّلها الخزينة، يحمّل رأسَي السلطة التنفيذية مسبقاً مسؤولية “خراب” البلد، لأنهما يطبّقان قراراً سيادياً بحصر السلاح بيد الجيش. هذا ليس رأياً معارضاً، بل اصطفاف صريح خلف سلاح حزب في وجه قرار دولة.
والسؤال هنا ليس عن حق الخطيب في التعبير، بل: بأيّ صفة يحوّل مقرّاً قائماً بمال اللبنانيين جميعاً إلى منصة تعبئة ضد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة؟
قبلان: المفتي في مواجهة الحكومة
وليس الخطيب وحده، فالمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان سبقه إلى المتراس:
قبل جلسة حصر السلاح: حذّر من أن يُسقط طرحُ ملفات السلاح القيمةَ الميثاقية عن الحكومة، في تلويح مذهبي صريح بنزع الشرعية عن السلطة التنفيذية.
حين قرّرت الحكومة حصر السلاح: في آب 2025، وصف قبلان القرار بأنه “مجنون” ويخدم إسرائيل، وقال إنه لا توجد قوة في الأرض تستطيع نزع سلاح حزب الله وحركة أمل، ودعا من يريد إسرائيل إلى أن يرحل إليها.
في مواجهة رئيس الحكومة: شنّ هجوماً عنيفاً على نواف سلام دفاعاً عن الثورة الإيرانية، رداً على قول سلام إنّ زمن تصديرها قد ولّى، معتبراً أنه لا سلاح أكثر شرعية من سلاح الحزب.
المعارضة حق… والتحريض شيء آخر
لا أحد يطالب رجل الدين بالصمت أو بتأييد الحكومة. فالمعارضة حق، ومنبر الجمعة ليس ملحقاً بالسراي.
لكنّ من يتقاضى من المال العام لا يمارس هنا المعارضة من داخل الدولة، بل يحرّض طائفته على الدولة نفسها: على جيشها وقرارها وسيادتها، لحساب سلاح خارجها ومحور خارج حدودها.
وإذا كانت الحكومة جادّة في بناء الدولة، فالمعاش التقاعدي ليس المكان المناسب للكرم. المكان المناسب هو سؤال واحد على طاولة مجلس النواب: هل يخدم من يتقاضى من المال العام الدولة، أم يخدم من يريد إسقاطها؟