بين دمشق التي تفاوضت سراً مع إسرائيل وانتهت إلى الانهيار، وبيروت التي تخوض اليوم مفاوضاتها العلنية تحت ضغط الحرب والاحتلال، تتكرّر دروس التاريخ بأشكال مختلفة. فهل يتعلم لبنان مما عجزت سوريا عن تعلّمه، أم يكرّر المصير نفسه بأدوات جديدة؟
إنّها دمشق المقاوَمة، أم هي ليست كذلك؟ صحافي لبناني برتبة ناطق باسم الحرس الثوري الإيراني، وأحد أكبر قطط الممانعة السِّمان في الإعلام، وصاحب أبرز سكسوكة يسارية مشتغلة بمجال التحليل والتحريم السياسي، يحطّ رحاله بضيافة زميله السوري المقرب من نظام الأسد، في خلوة للتنسيق بينهما. إعلامي لبناني آخر، برتبة مشعوذ كلمات وخياط معادلات وأثواب فضفاضة للميليشيات، يَحلّ ضيفاً على جامعة دمشق ليلقي محاضرة في أحد مدرجاتها. ممثلون عن فصائل إسلامية فلسطينية كـ”حماس” و”الجهاد”، من ذوي اللحى العطرة، يلتقون في مركز ثقافي بمخيم اليرموك في الضواحي الجنوبية للعاصمة السورية، لإقامة فعالية تتغنى بالمقاومة.
أجواء مفاوضات سوريا السابقة
هؤلاء يشكلون مثالاً على أجواء سادت سوريا في الفترة بين عامي 2007 و2008، أي في الفترة ذاتها التي كانت تجري فيها مفاوضات سورية إسرائيلية برعاية تركية، أحيطت بالتكتم حتى أن غالبية الشعب السوري لم يكن على علم بها سوى كشائعة. بالمقابل، لم تكن سراً بالنسبة لأدوات محور الممانعة في المنطقة، خصوصاً زوّار دمشق اللبنانيين، ممّن كانوا يُقرون للأسد بحقه في التفاوض مع إسرائيل، فيما يرهنون بلدهم كورقة مساومة بيد المحور.
فرصة حقيقية
رغم فشل تلك المفاوضات، فإنّ كثيراً من الباحثين يرون أنها كانت أقرب محاولة للوصول إلى اتفاق سلام سوري ـ إسرائيلي. لقد كانت فعلياً آخر فرصة حقيقية بين الطرفين، فبعدها بنحو عامين بدأت الثورة السورية، ثم كان التدخل الإيراني إلى جانب مشاركة “حزب الله” في المعارك، وبالتالي ابتلاع محور الممانعة للأسد.
أصبحت تلك المفاوضات مجرد تاريخ، مع أنها، وبحسب روايات متعددة، كانت قريبة من التوصل لاتفاق، سواء بفعل الحديث الإسرائيلي عن “الاستعداد لتنازلات”، أو لجهة مناقشة الجانبين لترتيبات أمنية جدية مثل: المناطق منزوعة السلاح، ومحطات الإنذار المبكر، والضمانات الأمنية المتبادلة، فضلاً عن موضوع المياه والحدود وعلاقات سوريا الإقليمية. أما لماذا فشلت، فلعدة أسباب أبرزها ضعف حكومة أولمرت الذي علق في دوامة أزمة سياسية داخلية وتحقيقات فساد، يضاف إليها غياب الدعم الأميركي القوي لها، دون أن ننسى تأثير حرب غزة 2008–2009 وتدهور العلاقات التركية–الإسرائيلية.
دروس ضرورية
ليس القصد من التطرق لتلك المرحلة في جردة تاريخية سريعة هو اعتبار ما جرى نموذجياً، فالمنطقة عاشت تجارب إما أنها أوصلت إلى نتائج ملموسة كما في الأردن ومصر، أو ضاعت في رمال الانقسام الفلسطيني وشهوة الاستيطان الإسرائيلي. ما يُستفاد من استعادة التفاصيل هو التأكيد على أمور أساسية تحتاجها أي مفاوضات مماثلة، حتى لو امتدت لسنوات، على رأسها أن يكون هناك دولة مفاوضة صاحبة قرار نهائي وحيد، سواء كانت شمولية أو ديمقراطية أو ملكية، وليس ممثلين لبلد ينتظرون موافقة دويلة موازية لديهم. الأمر الآخر المهم هو دور الضامن أو الضامنين والوسطاء الدوليين أو الإقليميين. أما العامل الإضافي اللازم، فهو ألا يُربط التفاوض لا بهلوسات أيديولوجية من قبيل “مراحل مواجهة الاستكبار العالمي” بزعامة إيران أو سواها، ولا بتقلبات الأوضاع في دول أخرى.
واليوم تَحضُر المفاوضات الإطارية اللبنانية ـ الإسرائيلية، بخصوصيتها وظروفها، كملف ساخن ودرب صعب قد يمثل نقطة تحول في تاريخ المنطقة. والحال أن لبنان ليس في ظرف تفاوضي مثالي، بعد أن وضعه “حزب الله” في فم التنّين عقب صواريخه الستة. وإذ تحاول الحكومة الاستفادة من دعم العرب والجيران لعبور المرحلة الحساسة، فهي تأمل فصل مسار لبنان عن إيران، وتجاوز حقول ألغام عديدة داخلية وخارجية.
عراقيل قاتلة
بينما تَبذل الدولة اللبنانية جهدها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عقب الحرب رقم ؟؟؟ في سلسلة حروب “لو كنت أعلم” وغزوات فصائل محور إيران، التي تحتمي فيها بادعائها الغباء ثم بالتظلم من “نوايا العدو..”، تستميت أبواق المحور في هجومها على الاتفاق الإطاري اللبناني ـ الإسرائيلي، ومحاولة عرقلته بشتى التهديدات الصريحة أو المُوارِبة. لا يحمل ذلك أي مفاجأة بالطبع، فالهجوم والتشكيك، سواء لَبِسَ لباس الإيديولوجيا أو “الخيارات الوطنية”، فهو مفهوم كون خط الدولة الحالي يمسّ شبكة ضخمة من العلاقات واقتصادات الظل، وبالتالي شريحة تجدها في لبنان كما في العراق، من أشخاص اكتسبوا، وإن بسويات وهرميات متفاوتة، فائض سلطة أو قوة أو تموّل أو أي قيمة غير مستحقة في ظل ما يسمى “مشروع المقاومة”.
الأهم فيما يفعله الممانعون هو رهانهم على الوقت، علّ الظروف الدولية والإقليمية تتغير لصالحهم، وبالتوازي سعيهم أيضاً لوضع لبنان في ثلاجة الانتظار، ومنح إيران الفرصة كي تعود يدها المرتجفة لتقبض بقوة أكبر على الورقة اللبنانية. من هنا يُفهم تلويحهم بحرب أهلية أو تعطيل سياسي أو ترقبهم لحدث خارجي يخلط الأوراق.
أسديّون.. ثم قاليبافيّون
تبدو الدولة اللبنانية واقفة على مفترق طرق، وتحت ضغوط هائلة. وفي الوقت ذاته، تعيش لحظة تاريخية وصلت فيها مشاريع بائدة إلى نهاياتها. لا يعني ذلك استسلامها لفكرة أن إيران قد تتغير إيجابياً، فالغالب أن تبدل الأخيرة جلدها للالتفاف على الوقائع. أما الأسوأ، فهو أن تدخل تركيا على خط الممانعة وتحاول ربط المسار اللبناني بعلاقاتها مع إسرائيل.
بالمثل، فلا ينبغي للبنان الاسترخاء بسبب الدعم العربي والدولي، مع أنه يمثل اليوم المَلمَح الأبرز، بل نقطة التشابه الوحيدة مع ما عاشته سوريا قبل أكثر من 15 عاماً.
آنذاك، حاولت دمشق أن تستثمر في زخم ملفت لعلاقات إقليمية تقاطعت عندها، وأثمرت بمكان ما مفاوضات متقدمة مع من تعتبره عدواً. غير أن ظروف المنطقة وإصرار نظام الأسد على ألعاب سياسية منتهية الصلاحية تجاه عالم متغير أفشل مساعي السلام، ثم سار النظام إلى نهايته عبر حرب أهلية وتعفن تدريجي، كأي سُلطة تتوه بين الانفتاح والعزلة وبين المستقبل والماضي.
يبقى التشبيه إذاً في حدود جوانب معينة، فالبلدان مختلفان ولا مجال للمقارنة بين سياسييهما، حتى وإن كان بينهما عامل مشترك هو قططٌ سِمان من إعلاميين وناشطين عاشوا الزمنين، واعتادوا مباركة خطوات الأسد حرباً وسلاماً، والسعي لإبقاء بلدهم لبنان جرحاً مفتوحاً. واليوم لا يجدون مشكلة بالوقوف خلف خيارات إيران، وتحريم الاستقرار على لبنان.
إقرأ أيضاً: الشّرع مرّر سلاحاً للحزب: عدوّان تجمعها مواجهة إسرائيل؟