تكسّرت الأبواب الحديدية يومها، فيما كانت أيادي المعتقلين الذين لم يكونوا على علم بما يجري، تتمدّد من بين القضبان لتلتقي بأيادي أهلهم القادمين لفكّ الأسر. لم تكن لحظة اقتحام فحسب، بل مصافحة طويلة الانتظار بين ذاكرتين فصلهما السجن: ذاكرة التعذيب التي حفرها المكان، وذاكرة التحرير التي وُلدت على أنقاضه. اليوم، وبينما تطمس الجرافات آخر الشواهد، يبدو أنّ إسرائيل لا تكتفي بمحو الحجر، بل تسعى إلى محو المشهد نفسه من الذاكرة الجماعية.
من بنت جبيل إلى مارون الراس إلى قلعة الشقيف إلى معتقل الخيام… ماذا بقي من التحرير؟
قاعدة جديدة على أنقاض الموقع
يشرع الجيش الإسرائيلي في تشييد قاعدة عسكرية جديدة داخل بلدة الخيام الجنوبية، على الموقع ذاته الذي كان يضم سابقاً معتقل الخيام. وقد طالت أعمال الجرف عدداً من الأبنية القائمة، ما أدى إلى محو معالم الموقع بالكامل وتغيير هويته العمرانية والتاريخية.
ذاكرة الخيام
يُذكر أنّ الموقع يحمل ذاكرة ثقيلة في الوجدان اللبناني الجنوبي، إذ أنشأته سلطات الانتداب الفرنسي عام 1933 كثكنة عسكرية، قبل أن تحوّله قوات الاحتلال الإسرائيلي، عقب اجتياح عام 1978، إلى مركز للتحقيق والاستجواب. ومع إغلاق معتقل أنصار عام 1985، تضخّم دور الخيام ليصبح أكبر معتقلات الجنوب، حيث تعرّض المئات من الأسرى، رجالاً ونساء، لأبشع أساليب التعذيب على مدى سنوات طويلة. وفي 23 أيار 2000، ومع الانسحاب الإسرائيلي المفاجئ، اقتحم الأهالي أبواب المعتقل وأطلقوا سراح نحو 140 أسيراً، ليتحوّل لاحقاً إلى متحف ونصب يوثّق تلك المرحلة. وبقي مشهد “الدبكة” التي أقامها الجنوبيون داخل المعتقل عالقاً في الأذهان، يُستعاد كل عام في ذكرى التحرير.
استهداف الرموز
تطرح هذه الخطوة تساؤلات حول نية الاحتلال إعادة إنتاج موقع عسكري في نقطة رمزية بامتياز لذاكرة الاعتقال والتعذيب ومن ثم التحرير في الجنوب، فالحرب التي تخوضها إسرائيل هذه المرة تطال “الرموز” كأولوية في بنك أهدافها، فما إن سقط الرمز، تتلاشى الذاكرة، فملعب بنت جبيل ومعتقل الخيام، أيقونتا التحرير لدى حزب الله، أصبحا اليوم جزءاً من خرائط الدمار التي يتصفّحها الجنوبيون يومياً على “غوغل”.
إقرأ أيضاً: همسٌ في البيئة الشيعية: الحزب استباح بيوت الجنوب.. قبل إسرائيل