معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

هل هُزم تنظيم الدولة الإسلامية فعلًا… أم تعلّم الاختباء؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

أعادت الغارات الأردنية على جنوب سوريا تنظيمَ “الدولة الإسلامية” إلى الواجهة، بعد سنوات ظنّ فيها كثيرون أن صفحته طُويت مع سقوط “الخلافة”. لكنّ التنظيم لم يختفِ، بل غيّر جلده: من جيش يرفع راياته فوق المدن إلى شبكة خلايا نائمة تتحرك في الظل، وتضرب حيث لا يُتوقّع.

 

الشرارة الأردنية

أعلن الأردن مقتل أكثر من عشرين مسلحًا من التنظيم في غارات جوية استهدفت مخابئ في جنوب سوريا. جاءت الضربات بعدما ربط المحققون المشتبه بهم في الهجوم على كنيسة الأسبوع الماضي، الذي أودى بحياة تسعة أشخاص، بتنظيمات تنشط عبر الحدود السورية. واعتقلت القوات الأردنية ثلاثة مشتبه بهم إثر تبادل لإطلاق النار، فيما لم يتبنَّ التنظيم الهجوم.

من “الخلافة” إلى الانهيار

برز التنظيم في العراق وسوريا، وأعلن “دولة خلافة” أزاحت تنظيم القاعدة عن صدارة المشهد. وبلغ ذروته بين عامَي 2014 و2017، فبسط سيطرته على مساحات شاسعة يقطنها ملايين، واقترب من بغداد حتى صار على بُعد نصف ساعة منها بالسيارة، وامتدّ إلى مدينة سرت الليبية. حكم مناطقه بأسلوب الدولة المركزية، وفرض تفسيره المتشدد للشريعة عبر إعدامات علنية وتعذيب وثّقه بالفيديو، قبل أن تنهار “خلافته” تحت ضربات التحالف الدولي بقيادة واشنطن.

الخلايا النائمة: الوجه الجديد

بعد خسارته معقلَيه في الرقة والموصل، انكفأ التنظيم إلى المناطق النائية. ويؤكد مسؤولون أمنيون عراقيون أنه تحوّل من قوة عسكرية تقليدية إلى حركة سرية لا مركزية. باتت هذه الحركة تقوم على خلايا مستقلة وعناصر لا تربطها صلات واضحة، وعلى شبكات وساطة واتصالات خفية، فيما تعمل قيادته في السر. ويصعب تقدير حجمه اليوم، وإن كانت الأمم المتحدة تقدّر عناصره بنحو عشرة آلاف في مناطق انتشاره الأساسية. ويراهن التنظيم أيضًا على تحريض أفراد على تنفيذ هجمات منفردة يصعب رصدها مسبقًا.

سوريا ما بعد الأسد: ساحة مفتوحة

استغلّ التنظيم سقوط الأسد أواخر 2024 لينشّط خلاياه النائمة ويرصد أهدافه، وليوزّع أسلحة وكواتم صوت ومتفجرات، وفق مصادر لرويترز. ومنذ شباط، شنّ سلسلة هجمات على حكومة الرئيس أحمد الشرع، أبرزها هجوم قرب الرقة قُتل فيه أربعة من عناصر الأمن. ونسب تقرير أممي إليه خمس محاولات اغتيال أُحبطت، استهدفت الشرع ووزيرين بارزين. كما ربطته التحقيقات السورية بتفجيرَين في دمشق، وقعا في تموز قرب فندق يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأسفرا عن 18 جريحًا.

العراق: اختبار الفراغ الأمني

تبنّى التنظيم هجومًا في الخامس من تشرين الأول قُتل فيه شرطي اتحادي قرب كركوك، وهو أول اعتداء على القوات العراقية منذ اكتمال الانسحاب الأميركي. وأعلنت بغداد كذلك إحباط مخطط لتفجير انتحاري، وسط مخاوف من فراغ أمني قد يستثمره التنظيم.

تمدّد يتجاوز الجغرافيا

تقول منظمة “أكليد” إنّ ثقل التنظيم انتقل إلى أفريقيا، التي استحوذت على 86% من نشاطه العالمي في الربع الأول من 2026. أما “ولاية خراسان” فتبنّت هجوم قاعة الحفلات قرب موسكو عام 2024، الذي حصد 149 قتيلًا. وفي سيدني، قالت الشرطة إن منفذَي هجوم شاطئ بونداي عام 2025، الذي قُتل فيه 15 شخصًا، تأثّرا على ما يبدو بأفكار التنظيم.
تشير هذه المعطيات إلى أنّ التنظيم لم يعد يحتاج إلى أرض ليبقى، فالخلية الصغيرة التي يصعب كشفها قد تكون اليوم أخطر من جيش مكشوف.